

الإنسان بين عبث العدمية وفوضى السوفسطائية
الشيخ معتصم السيد حمد
لم يكن الصراع الفكري في تاريخ
الإنسان صراعاً بين الدين والعلم كما يُصوَّر أحياناً، بل كان في
جوهره صراعاً بين رؤيتين للإنسان والعالم: رؤية تؤمن بإمكان الحقيقة
والمعنى والمسؤولية، ورؤية أخرى تشكك في المعرفة أو تفرغ الوجود من أي
غاية. ومن هنا تبرز خطورة النزعات السوفسطائية والعدمية، لا بوصفهما
مدارس فلسفية قديمة أو تيارات فكرية معزولة، بل باعتبارهما نمطين
متجددين من التفكير، يعودان للظهور كلما فقد الإنسان بوصلته المعرفية
أو الأخلاقية.
السوفسطائية، في جوهرها، ليست مجرد
تشكيك عابر في بعض المعارف، بل هي موقف جذري من الحقيقة نفسها. فهي لا
تنكر خطأً بعينه، بل تنكر معيار الصواب من الأساس، وتجعل الحقيقة
نسبية، تتشكل بحسب اللغة والمصلحة والقدرة على الإقناع. وفي هذا
المناخ، لا يعود السؤال: ما هو الحق؟ بل يصبح: من الأقدر على تسويق
رأيه؟ وهنا تتحول المعرفة من بحث عن الصدق إلى لعبة خطابية، ويغدو
العقل أداة تبرير لا أداة كشف.
أما العدمية، فهي الوجه الأشد قتامة
لهذا المسار؛ إذ لا تكتفي بهدم اليقين المعرفي، بل تهدم المعنى ذاته.
فالعدمية لا تقول فقط إننا لا نستطيع أن نعرف الحقيقة، بل تقول: حتى
لو عرفنا، فلا قيمة لما نعرفه، ولا غاية لما نفعله. العالم بلا هدف،
والوجود بلا مغزى، والقيم مجرد أوهام تاريخية اخترعها البشر ثم
صدّقوها. وفي ظل هذا التصور، يصبح الإنسان كائناً معلقاً في الفراغ،
لا يملك سبباً حقيقياً للأمل، ولا مبرراً أخلاقياً
للالتزام.
في مواجهة هذين الاتجاهين، يقدّم
الإسلام رؤية مختلفة جذرياً، لا تقوم على القمع الفكري، ولا على تعطيل
العقل، بل على إعادة بناء العلاقة بين المعرفة والمعنى، وبين الحرية
والمسؤولية. فالإسلام لا يبدأ من إنكار السؤال، بل من تنظيمه، ولا
يهرب من الشك، بل يضعه في سياقه الصحيح. ولهذا لم يكن الخطاب القرآني
خطاب تلقين أعمى، بل خطاب استدعاء للعقل، وتحريض على النظر، وربط بين
المعرفة والعمل، وبين الإدراك والالتزام.
الإسلام يرفض السوفسطائية من جذورها؛
لأنه يؤمن بإمكان المعرفة، وبوجود حقيقة موضوعية يمكن للعقل الإنساني
أن يهتدي إليها، وإن لم يُحط بها إحاطة كاملة. فالحقيقة في الرؤية
الإسلامية ليست وهماً لغوياً، ولا بناءً اعتباطياً، بل هي مرتبطة
بواقع الوجود نفسه. ولهذا فإن الصدق والكذب، والعدل والظلم، والخير
والشر، ليست مجرد تسميات نسبية، بل حقائق لها آثارها الواقعية في
النفس والمجتمع والتاريخ.
وفي الوقت نفسه، لا يسقط الإسلام في
التبسيط الساذج، فلا يدّعي أن الإنسان معصوم من الخطأ، ولا أن المعرفة
البشرية مطلقة. لكنه يميّز بوضوح بين محدودية المعرفة وإنكارها، وبين
نسبية الفهم ونسف الحقيقة. فالعقل في الإسلام أداة هداية، لا أداة
تلاعب، ومسؤولية الإنسان لا تقوم إلا على افتراض قدرته على التمييز
والتقييم.
أما في مواجهة العدمية، فإن الإسلام
يقدّم ما يمكن تسميته بـ”مشروع المعنى”. فهو لا يكتفي بإثبات وجود
الله بوصفه حقيقة ميتافيزيقية، بل يربط هذا الوجود بمعنى الحياة
الإنسانية. فالإنسان في الرؤية الإسلامية ليس كائناً زائداً عن
الحاجة، ولا حادثة كونية عابرة بلا هدف، بل هو مخلوق مسؤول، له وظيفة،
وله دور، وله مسار. وبهذا المعنى، فإن الحياة ليست عبثاً، بل
امتحاناً، وليست فوضى، بل ساحة اختيار.
المعنى في الإسلام لا يُفرض من
الخارج قسراً، ولا يُترك للهوى الفردي، بل ينبع من التقاء الفطرة
بالوحي. فالإنسان، بحسب هذه الرؤية، يحمل في داخله استعداداً فطرياً
للإيمان بالقيم، لكنه يحتاج إلى الهداية ليهتدي إلى صورتها الصحيحة،
وإلى الميزان الذي يضبط تطبيقها. ومن هنا تتأسس الأخلاق في الإسلام لا
بوصفها اتفاقاً اجتماعياً متغيراً، بل بوصفها امتداداً لمعنى الوجود
نفسه.
وهذا ما يجعل الإسلام قادراً على
مواجهة العدمية من دون إنكار الألم أو المعاناة. فهو لا يقول إن
العالم مثالي، ولا ينكر وجود الشر، لكنه يرفض اختزال الوجود في الشر،
أو تحويل الألم إلى دليل على عبثية الحياة. فالمعاناة، في الرؤية
الإسلامية، ليست نفياً للمعنى، بل اختباراً له، وليست دليلاً على غياب
العدالة، بل جزءاً من مسار أوسع تتجلّى فيه العدالة في مآلاتها لا في
لحظتها الآنية فقط.
كما أن الإسلام يقدّم تصوراً
متوازناً للحرية، يختلف عن الحرية السوفسطائية التي تنتهي إلى الفوضى،
وعن الحرية العدمية التي تنتهي إلى اللامبالاة. فالحرية في الإسلام
مرتبطة بالمسؤولية، والاختيار مرتبط بالمحاسبة، والكرامة الإنسانية لا
تنفصل عن الالتزام الأخلاقي. وبهذا المعنى، فإن الإنسان لا يكون حراً
حين يفعل ما يشاء، بل حين يعي ما يفعل ولماذا يفعله.
وفي السياق الحضاري، يظهر الفرق
بوضوح. فالمجتمعات التي تتبنى التفكير السوفسطائي تميل إلى تآكل
الثقة، لأن الحقيقة تصبح نسبية، والخطاب يصبح أداة هيمنة. والمجتمعات
التي تستبطن العدمية تعاني من التفكك الداخلي، لأن القيم تفقد معناها،
والروابط الأخلاقية تتحول إلى مصالح مؤقتة. أما المجتمعات التي تستند
إلى رؤية أخلاقية ذات معنى، فإنها تمتلك قدرة أكبر على الصمود، لأنها
لا تبني وحدتها على القوة وحدها، بل على القناعة المشتركة بجدوى
الالتزام.
من هنا يمكن القول إن أهمية الإسلام
في هذا السياق لا تكمن فقط في كونه ديناً شعائرياً، بل في كونه إطاراً
معرفياً وأخلاقياً يحفظ للإنسان إنسانيته. فهو يقف في وجه السوفسطائية
بإثباته إمكان الحقيقة، ويقف في وجه العدمية بإحيائه للمعنى، ويقدّم
بديلاً لا يلغي العقل ولا يفرغه من محتواه، ولا يقدّس القيم بشكل
تجريدي، بل يربطها بحياة الإنسان الواقعية.
وفي عالم تتزايد فيه النزعات الشكية
والعدمية، لا تبدو أزمة الإنسان المعاصر أزمة نقص في المعلومات، بل
أزمة فقدان المعنى. ومن هنا تبرز الحاجة إلى خطاب ديني وفكري يعيد وصل
المعرفة بالقيمة، والعقل بالمسؤولية، والحرية بالغاية. وهذا بالضبط ما
يقدّمه الإسلام حين يُفهم بوصفه مشروع هداية، لا مجرد منظومة أحكام،
وبوصفه رؤية للإنسان والعالم، لا مجرد رد فعل على أسئلة
العصر.
فالإسلام، في نهاية المطاف، ليس
خصماً للعقل، ولا بديلاً عنه، بل هو الإطار الذي يمنح العقل أفقه،
ويمنح الإنسان سبباً معقولاً لأن يكون إنساناً.


