8 شعبان 1447 هـ   27 كانون الثاني 2026 مـ 6:18 مساءً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

2026-01-26   25

الكهنوت بين التجربة الأوروبية والواقع الإسلامي


الشيخ معتصم السيد أحمد

كثيراً ما يُستدعى مفهوم «الكهنوت» في النقاشات الفكرية المعاصرة بوصفه مفتاحاً تفسيرياً جاهزاً لتأخر المسلمين، ويُقدَّم على أنّه العائق الأكبر الذي حال دون انطلاق العقل والعلم في المجتمعات الإسلامية. وتُستعاد التجربة الأوروبية بوصفها النموذج الحاسم: كنيسة متسلطة، صدام مع العلم، سقوط الكهنوت، ثم انطلاق الحداثة. وبناءً على هذا السرد، يُقال إن المشكلة في العالم الإسلامي تكمن في عدم القدرة على كسر «كهنوت» مشابه، وإن الخلاص يمرّ عبر تحجيم علماء الدين وإزاحتهم عن المجال العام. هذه المقاربة، على شيوعها وسهولة تداولها، تبدو في ظاهرها تفسيرية، لكنها في عمقها تبسيطية، لأنها تنقل تجربة تاريخية مخصوصة من سياقها الحضاري، ثم تُسقطها على واقع مختلف في بنيته ونشأته ومساره.

فالكهنوت، في التجربة الأوروبية، لم يكن مجرد وجود علماء دين أو مرجعيات لاهوتية، بل كان مؤسسة متكاملة ذات سلطة روحية وزمنية، تحتكر تفسير النص المقدس، وتحتكر طريق الخلاص، وتمنح الغفران وتحجبه، وتفرض وصايتها على الضمير الفردي والعقل الجمعي. هذه المؤسسة لم تكن فاعلاً دينياً فحسب، بل كانت لاعباً سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، تملك أدوات القمع والردع، وتحدد ما يجوز التفكير فيه وما يُعد خروجاً على الإيمان. ومن هنا نشأ الصدام بينها وبين العلم، لا لأن العلم كان بطبيعته عدواً للدين، بل لأن الاكتشافات العلمية هزّت الأسس الفكرية والكونية التي قامت عليها تلك السلطة.

في هذا السياق، لم يكن اضطهاد العلماء حادثة عارضة أو خطأً فردياً، بل كان نتيجة منطقية لبنية دينية مغلقة رأت في كل معرفة جديدة تهديداً مباشراً لشرعيتها. محاكم التفتيش، وملاحقة المفكرين، وتجريم البحث الحر، لم تكن انحرافات أخلاقية عابرة، بل تعبيراً عن منظومة كاملة ترى في الاختلاف المعرفي جريمة دينية. وحين تراجع نفوذ الكنيسة لاحقاً، لم يكن ذلك لأن «العلم انتصر» وحده، بل لأن بنية كاملة من التفكير والاقتصاد والسياسة تغيّرت، وأُعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمعرفة والعالم.

غير أنّ نقل هذه التجربة بحمولتها المفاهيمية إلى الإسلام يوقعنا في خلطٍ كبير منذ البداية. فالإسلام، في نصوصه المؤسسة، لم يعرف فكرة الوسيط الوجودي بين الإنسان وربه، ولم يؤسس طبقة دينية مغلقة تحتكر الخلاص أو تمنح الغفران. العلاقة بين العبد وربه علاقة مباشرة، قائمة على المسؤولية الفردية، والمحاسبة الذاتية، والاختيار الحر. النص الديني نفسه لم يُغلق باب الفهم، بل فتحه على الاجتهاد والتأمل، وجعل العقل شريكاً في الفهم لا خصماً له.

أما ما يُسمّى اليوم بـ«علماء الدين»، فهم في أصل المفهوم حملة معرفة لا حملة سلطة. دورهم البيان والتوضيح، لا الإكراه والوصاية. لم يُمنحوا، من حيث المبدأ، سلطة إلزامية فوق المجتمع، ولم يُنصَّبوا أوصياء على ضمائر الناس. العالم في التصور الإسلامي ليس وسيطاً بين العبد وربه، بل مبيّناً للنص، مجتهداً في فهمه، قابلاً للخطأ والصواب، خاضعاً للنقد والمراجعة. نعم، قد تتحول المعرفة في بعض السياقات التاريخية إلى أداة نفوذ، وقد يتحالف بعض العلماء مع السلطة السياسية أو الاجتماعية، وقد تُوظَّف الفتوى لتكريس واقعٍ معين أو تبرير ظلمٍ قائم، لكن هذه الممارسات لا تعبّر عن جوهر الدين ولا عن بنيته الأصلية، بل عن انحراف بشري في توظيف المعرفة، وهو انحراف لا يختص بالدين وحده، بل يصيب كل مجال حين تتحول المعرفة إلى أداة سلطة.

واللافت أن التاريخ الإسلامي، في مراحله المزدهرة، لم يعرف صراعاً بنيوياً بين الدين والعلم. الفقيه والفيلسوف والطبيب والفلكي كانوا يتحركون في فضاء معرفي واحد، وكانت المعرفة تُفهم بوصفها طريقاً لفهم سنن الكون وعمران الأرض. لم يُسجَّل أن مشروعاً علمياً أُجهض لأنه اصطدم بنص ديني صريح، ولا أن مؤسسة دينية أُقيمت خصيصاً لملاحقة العلماء أو محاكمتهم بسبب اكتشافاتهم. هذا لا يعني أن التاريخ كان مثالياً أو خالياً من التوترات، لكنه يعني أن الصدام لم يكن بنيوياً ولا مؤسسياً كما كان الحال في التجربة الكنسية.

من هنا، فإن اختزال تأخر المسلمين في «فشلهم في تحجيم الكهنوت» لا يفسّر الواقع بقدر ما يهرب من مواجهته. فالمشكلة أعمق وأكثر تعقيداً. إنها تتعلق بتعطّل العقل النقدي، وتقديس الفهم البشري للنص، وتحويل التراث من خبرة تاريخية قابلة للتجاوز إلى سلطة فوق الزمن، وانفصال المعرفة عن الواقع، وتراجع الإرادة السياسية، وغياب المشروع الحضاري الجامع. هذه العوامل مجتمعة هي التي صنعت حالة الجمود، لا مجرد وجود علماء دين أو حضور الخطاب الديني في المجال العام.

كما أن تحميل الدين أو العلماء مسؤولية التخلف يمنح المجتمع مخرجاً نفسياً سهلاً، لأنه يعفي بقية المكونات من مسؤوليتها. فحين تُختزل الأزمة في «رجال الدين»، يُعفى السياسي من فشله، ويُعفى المثقف من عجزه، ويُعفى النظام التعليمي من قصوره، ويُعفى الاقتصاد من اختلالاته. والحال أن النهوض لا تصنعه فئة واحدة، كما أن الانحطاط لا يصنعه طرف واحد. المجتمع، بجميع طبقاته وتخصصاته، شريك في إنتاج واقعه: المثقف، والسياسي، والاقتصادي، والتربوي، كما هو رجل الدين.

وعليه، فإن استنساخ السردية الأوروبية، والقول إن الخلاص يكمن في «تحجيم علماء الدين» على غرار ما جرى مع الكنيسة، لا يمثل حلاً حقيقياً، بل يعكس عجزاً عن إنتاج تشخيص نابع من داخل التجربة الإسلامية نفسها. فالمطلوب ليس استبدال كهنوت متوهَّم بعلمانية سطحية، ولا تحويل الصراع إلى مواجهة بين الدين والحداثة، بل إعادة بناء العلاقة بين النص والعقل، وبين القيم والواقع، وبين المعرفة والمسؤولية.

إن النهضة لا تبدأ بإقصاء الدين، ولا بمحاربة العلماء، بل بإعادة الاعتبار للعقل الاجتهادي، وبفصل المقدّس عن توظيفاته البشرية، وبإدراك أن الدين، في جوهره، طاقة أخلاقية ومعرفية يمكن أن تكون دافعاً للنهوض لا عائقاً عنه، إذا أُحسن فهمه وتحريره من الجمود. فالمشكلة لم تكن يوماً في الدين ذاته، بل في طريقة قراءته، ولم تكن في وجود العلماء، بل في غياب المشروع الحضاري الذي يضع كل معرفة في موقعها الصحيح، ويعيد لكل فاعل اجتماعي دوره ومسؤوليته.

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م