السيد علي العزام الحسيني
"رجلٌ مخمور يبحث تحت عمود الإنارة
على يمين الشارع عن مفتاح أضاعه في الجهة اليسرى من الشارع؛
والمبرّر أنّ الجهة اليمنى هي الجهة الوحيدة المضاءة!!".
هذا المشهد (المقتبس) يلخّص الفكرة
المراد طرحها..، فالرجل المخمور يمثّل مذهب العلمويّة (Scient ism)-
وليس العلم(Science)- بما تحمله هذا المذهب من نفي لأيّة حقيقة لا
تقرّها مناهج البحث العلمي في العلوم الطبيعية، إنّه يخضع قضايا
الوجود الكبرى لأدوات علميّة، يدعو إلى الاستغناء بالعلم الوضعي عن
جميع العلوم والمجالات الأخرى وعلى رأسها الدين، وفي التحليل
النهائي ينادي بأعلى صوته إلى أن يكون العلم بديلاً عن الدين!. قبل
كل شيء، علينا أن نفهم خلفيات دعوته ومبررّاتها:
مبرّرات الاستغناء بالعلم عن
الدين:
تخيّل أنّ سيدةً تعمل على التبشير
بالمسيحيّة في أفريقيا، وكانت عمليّة تحوّل الأفارقة إلى المسيحيّة
تسير ببطء إلى أن أُصيب طفلٌ بمرضٍ مُعدٍ، فاجتمع أطبّاءُ القبيلة
وتداعوا لمعالجته دون جدوى! وشرعتْ صحّة الطفل بالتدهور وبدأت حياته
تتجّه نحو الموت. في تلك الحنة تذكّرتْ المبشّرة في آخر لحظة أن
لديها بعض حبات (البنسلين) في حقيبة سفرها، فسارعتْ بإعطائها للطفل
فما لبث أن تعافى من مرضه!!
يقول آبليارد: بهذا العمل الفرد
(الوحيد) انتهى الأمر كلّه بالنسبة لثقافة القبيلة، فتخلّتْ عن كلّ
ثقافة آبائها، وأجدادها، وتحوّلت إلى المسيحيّة.. !!، ولو أنّ تلك
القبيلة استطاعت فقط أن تفكّر بمنطقيّة وتقول لنفسها: إنّ هذه
المبشّرة أثبتتْ جيّداً أنّها تعرف عن أجسامنا ما لا نعرفه نحن،
ويجب أن نكون ممتنّين لها جدّاً.. لكن دواءها لا يخبرنا بأيّ شيء
عمّن نكون نحن؟ ولا من أين جئنا؟ ولا لماذا نحن موجودون الآن على
سطح الأرض؟ ولا عمّا ينبغي علينا أن نفعله بينما نحن هنا؟ ولا عمّا
سيحدث لنا عندما نموت؟؛ فإنّه لا يوجد أيّ سبب منطقي يمنعنا من أن
نقبل طبّها فقط بكل رحابة صدرٍ، في حين نواصل إجلال واحترام ديننا
وتوجيهاته العظيمة.( لماذا الدين ضرورة، ص86). القبيلة آنفًا ترمز
إلى (العلمويّة)، وحبّات (البنسلين) هي القضايا المسجّلة في تاريخ
العلم بعنوان: الصراع بين الدين وبين العلم، والتي انتصر العلمُ في
بعضها - وهي ذاتها يمكن أن تكون مؤيّدات أو مبرّرات ادعاء الاستغناء
بالعلم عن الدين، وأهمّها ثلاثة:
جيولوجية، وهي مركزيّة الأرض
وسكونها التي سجّل فيها النصر للعلم على نحو واضح، فقد تبنّت
الكنيسة رؤية بَطْلَيموس (87 – 150 م) في سكون الأرض ومحوريتها
لسائر الكواكب الأخرى.. بيد أنّ هذه النظرة قد تبدّلت مع نظريّة
كوبرنيكوس (ت: 1543 م) ثمّ المشاهدة التلسكوبيّة لغاليلو (ت :1642
م)، على إثر ذلك اتهمته الكنيسة بالهرطقة، وحصل بينهما ما هو معروف
في كتب التأريخ مما اضطر بعدها لإعلان توبته أمام الكنيسة
مكرهاً!
جدير بالإلفات أنّ الإسلام ليس
طرفاً هنا، ولا شيء في نصوصه يدلّ على سكون الأرض أو محوريتها،
فضلاً عن عدم وجود شيء فيه يعاكس تلك الحقيقة أو
ينفيها.
بيلوجية، وهي نظرية التطور
الداروينيّة، وأنّ الإنسان لم يخلق بفعل إلهي مباشر مثلما يفيد
الدين، وإنّما هو نتاج عمليّة تطوّر مستمر، فبعد سنة فقط من نشر
كتاب: (أصل الأنواع) وقعتْ واحدة من أشهر المناظرات في تاريخ
المواجهة بين العلم والمسيحيّة سنة (١٨٦٠م) بين عالم الاحياء: توماس
هكسلي (توفي:1895م)، وأُسقف اكسفورد: سامويل ويلبرفورس (توفي:1873م)
الذي أعلن مراراً إدانته لدارون ونظريته!،. ومن طريف ما وقع فيها
أنّ الأسقف بعدما ألقى خطبة تفاخر فيها أنّه غير منحدر من قرد!. ردّ
عليه هكسلي بالقول: لو خُيّرتُ لفضّلتُ أن أكون من نساء قرد دنيء
النسب على أن يكون أبي رجلاً من البشر يستخدم قوته الخطابية في
تحقير أولئك الذين يفنون أعمارهم في سبيل البحث عن الحقيقة(بين
الدين والعلم، ص186).
يقترح العديد من العلماء والمفكرين
تسميتها بالتطوير، أو التطور الموجّه، أو التطوّر التوحيدي، وجميعها
تعكس توجهاً يلخّصه فرانسيس كولنز: (رئيس المشروع الدولي للجينوم
البشري) قائلاً:
الله غير المحدود بزمان أو
مكان هو الذي خلق الكون، وهو الذي وضع القوانين التي تحكمه وفي
(سعيه) لملأ هذا الكون الأجرد بكائنات حية - أختار الله آليّة
التطور لخلق ميكروبات ونباتات وحيوانات من كل الأنواع، ولكن المثير
للملاحظة هو أنّ الله أختار نفس الآلية لخلق كائن متميّز يمتلك
الذكاء ويمتلك القدرة على تمييز الخير من الشر(لغة الإله،
ص219).
وبصياغة مغايرة: هناك مغالطة
منطقيّة، وخطأ تصنيفي فئوي في الفكرة القائلة: إنّ مفهوم الله
والتطور البيولوجي يلغي كلٌّ منهما الآخر..؛ لأنّ نظرية التطور آلية
بيولوجية، بينما الإله الخالق فاعلٌ مُصمّمٌ لآليّات التطوّر،
وخالقٌ مُوجِد للقوانين البايلوجيّة التي تسير عليها الكائنات
الحيّة..، وكما أنّ فهم آلية عمل سيارة فورد لا يُعدّ حجة على أنّ
مستر فورد نفسه غير موجود، كذلك: وجود الآليّة لا يعتبر حجّة لعدم
وجود فاعل مصمّم لهذه الآلية. (العلم ووجود الله، ص153).
فيزيائية، وهذه قضيّة جديدة،
أضيفتْ مع كتاب ستيفن هوكنيغ (ت2018م): (التصميم العظيم – اجابات
جديدة على أسئلة الكون الكبرى)، الذي خلص فيه إلى أنّنا في غنى عن
الدين
وجود الخال في تفسير الكون،
فإنّ الحاجة إلى ذلك تتمثل في حل معضلة تقدم العدم واللاشيء على
الوجود في الإنفجار العظيم، وهو ما حاول الإجابة عنها في الكتاب من
خلال طرح فكرة الأكوان المتعددة، وأنّ الكون يمكن أن يُوجِدَ نفسه
من لا شيء؛ بفعل قوانين الفيزياء، وتحدّيداً:
الجاذبية!
وهي محاولّة للخيال العلمي أقرب
منها للعلم، فلا ترحيل المشكلة للوراء ودفعها بعيداً عبر اقتراح
الأكوان المتعدّدة يحل المعضلة، ولا مصطلح اللاشيء يعني العدم
المطلق، وإنّما هو في الاصطلاح الفيزيائي: هو الفراغ الكمومي!،
فضلاً عن ذلك: فإنّ دور القوانين العلميّة كقانون الجاذبيّة- هو
التفسير والتوصيف، وليس ذاتاً ليكون لها دور الفاعلية والإيجاد
والخلق!! وسيأتي ما يوضّح هذه الفكرة أكثر.
مساحة العلم ونطاق الدين:
قديمًا، قسّم الفلاسفة العلل إلى
أربع: ماديّة، وصوريّة، وفاعليّة وغائيّة، وفي ضوء ذلك يمكن بسهولة
تحديد نطاقات الدين والعلم، ففي حين لا تتحرّك علوم الطبيعة إلا ضمن
دائرة العلّة الماديّة والصوريّة، فإنّ نطاق الدين ومدياته تصل إلى
ما تقصر يد العلم عن بحثه وتناوله، وبكلمة أخرى: يجيب العلم عن
سؤال: ما هذا؟ وكيف يحدث؟ أمّا الدين فيبحث عمّا وراء ذلك، ويجيب عن
أسئلة من قبيل: من ورائه؟ ولماذا يحدث؟، ومن ثمّ كانت ظاهرة التدين
في الإنسان تستند في أصلها إلى مبدأين مرتكزين في بداهة العقول،
هما: السببية، والغائيّة، وهما مبدآن عقليّان لا علميّان وبلا شك،
ومتى فُهِما على كمالهما انتهيا إلى أسمى العقائد الدينية: عقيدتي
التوحيد والخلود. (بحوث ممهدة في تاريخ الأديان، ص104).
ولتوضيح الفكرة، فلنتخيّل أنّ
واحدة من نسائنا في المنزل قد أعدت(كيكة) جميلة لذيذة، ثمّ أخذناها
من الفرن وذهبنا بها إلى مجموعة من أعظم علماء العالم لتحليلها
وطلبنا منهم شرحاً للكعكة، فانصرفوا جميعاً إلى العمل. علماء
التغذية سيخبروننا بعدد السعرات الحرارية التي تحتويها الكعكة
وأثرها الغذائي. وعلماء الكيمياء الحيوية سيخبروننا بتركيب
البروتينات، والدهون، وغيرهما من العناصر التي تحتوي عليها الكعكة.
والكيميائيون سيتحدثون عن العناصر المكونة للكعكة وروابطها
الكيميائية، والفيزيائيون سيتمكنون من تحليل الجسيمات الأولية
للكعكة، وعلماء الرياضيات سيقدمون لنا مجموعة من المعادلات العبقرية
التي تصف سلوك تلك الجسيمات.
والآن، بعد أن قدم لنا هؤلاء
الخبراء وصفاً شاملاً للكعكة، كل حسب تخصصه العلمي، هل يمكننا أن
نقول إنه أصبح لدينا شرح كامل للكعكة؟. من المؤكد أننا حصلنا على
وصف كيفية صنع الكعكة وكيفية اتصال عناصرها المتنوعة بعضها ببعض،
ولكن هب أني سألت هذه المجموعة من الخبراء سؤالاً أخيراً: لماذا
صنعت الكعكة؟.
ستكشف الابتسامة العريضة على وجه
تلك المرأة أنها تعرف الإجابة؛ لأنها هي من صنعت الكعكة، وقد صنعتها
لغرض. أما علماء العالم في التغذية، والكيماء الحيوية، والكيمياء،
والفيزياء، والرياضيات فلن يتمكنوا من إجابة السؤال، والاعتراف
بعجزهم عن الإجابة لا يقلل من شأن علومهم. فتخصصاتهم التي يمكنها
التعامل مع الأسئلة المتعلقة بطبيعة الكعكة وتركيبها، أي التي تجيب
عن أسئلة "كيف"، لا يمكننا أن تجيب عن أسئلة "لماذا" التي تتناول
غرض صنع الكعكة.
والحقيقة أن السبيل الوحيد للحصول
على إجابة هو الرجوع إلى تلك المرأة التي أعدت الكعكة، فإن لم تفصح
عن الإجابة، فالحقيقة الأكيدة فإنّه لا يمكن لأي قدر من التحليل
العلمي أن ينير لنا هذه المساحة..
يقول بيتر براين مدوّر (ت: 1987م)
الحائز على جائزة نوبل في الطب: محدوديّة العلمِ تتّضح في عجزه عن
إجابة الأسئلة البدائيّة الطفوليّة التي تتعلّق بالأشياء الأولى
والأخيرة مثل: كيف بدأ كلّ شيء؟ ما الغرض من وجودنا؟ ما مغزى
الحياة.؟!( العلم ووجود الله، ص71).
والمقصود، أنّ العلم الحديث وظيفته
تفصيل لما يحدث، وليس بتفسير لهذا الأمر الواقع، فكلّ مضمون العلم
هو إجابة عن السؤال: (ما هذا؟)، وليس لديه إجابة عن السؤال: (ولكن
لماذا؟). وإنّ التفسير الذي نحن بصدده هنا يتعلق بالأمر الثاني،
لنفهم هذا من مثال بسيط: فالكتكوت يعيش أيامه الأولى داخل قشرة
البيضة القوية ويخرج منها بعدما تنكسر مضغة لحم، كان الإنسان القديم
يؤمن بأن الله أخرجه. ولكننا اليوم بالمنظار أنه في اليوم إلحادي
والعشرين يظهر قرن صغير على منقار الكتكوت يستعمله في تكسير البيضة
لينطلق خارجا منها ثم يزول هذا القرن بعد بضعة أيام من خروجه من
البيضة.
هذه المشاهدة كما يزعم المعارضون
أبطلت الفكرة القديمة القائلة: بأنّ الإله يُخرج الكتكوت من البيضة،
إذ قد رأينا يقينا أن قانونا لواحد وعشرين يوما يحدث هذه
العملية.
والحقيقة أن المشاهدة الجديدة لا
تدلنا إلا على حلقات جديدة للحادث ولا تكشف عن سببه الحقيقي فقد
تغير الوضع الآن فأصبح السؤال لا عن تكسر البيضة بل عن (القرن)؟، إن
السبب الحقيقي سوف يتجلى لأعيننا حين نبحث عن العلة التي جائت بهذا
القرن، العلة التي كانت على معرفة كاملة بأن الكتكوت سوف يحتاج إلى
هذا القرن ليخرج من البيضة، فنحن لا نستطيع أن نعتبر الوضع الأخير
(وهو مشاهدتنا بالمنظار) إلا أنّه (مشاهدة للواقع على نطاق أوسع)
ولكنّه ليس تفسيرا له.
يقول البروفيسور سيسيل بايس هامان
وهو أستاذ أمريكي في البيولوجيا: (كانت العملية المدهشة في صيرورة
الغذاء جزءا من البدن تنسب من قبل إلى الإله، فأصبحت اليوم
بالمشاهدة الجديدة تفاعلا كيماويا، هل أبطل هذا وجود الإله؟ فما
القوة التي أخضعت العناصر الكيماوية لتصبح تفاعلا مفيدا؟.. إن
الغذاء بعد دخوله فى الجسم الإنساني يمر بمراحل كثيرة خلال نظام
ذاتي ومن المستحيل أن يتحقق وجود هذا النظام المدهش باتفاق محض. فقد
صار حتما علينا بعد هذه المشاهدات أن نؤمن بأن الله يعمل بقوانينه
العظمى التي خلق بها الحياة!).
كان الإنسان القديم يعرف أن السماء
تمطر، لكننا اليوم نعرف كل شيء عن عملية تبخر الماء في البحر، حتى
نزول قطرات الماء على الأرض وكل هذه المشاهدات صور للوقائع وليست في
ذاتها تفسيرا لها، فالعلم لا يكشف لنا كيف صارت هذه الوقائع قوانين؟
وكيف قامت بين الأرض والسماء على هذه الصورة المفيدة المدهشة، حتى
أن العلماء يستنبطون منها قوانين علمية؟ والحقيقة أن ادعاء الإنسان
بعد كشفه لنظام الطبيعة أنه قد كشف تفسير الكون- ليس سوى خدعة
لنفسه، فإنه قد وضع بهذا الادعاء حلقة من وسط السلسلة مكان الحلقة
الأخيرة(الإسلام يتحدى، ص32)، وإذا كانت المسألة بهذا الوضوح، فكيف
ومتى انقلبت الأمور؟ ومن أصّل التضاد؟!
متى التنظير للاستغناء
بالعلم؟!
جرى التأصيل لمسألة الاستغناء عن
الدين، وانتفاء الحاجة له في القرنين، التاسع عشر والعشرين من قبل
الفلسفة الوضعيّة على يد الفيلسوف الفرنسي أُوغست كونت (ت:1857م)،
عبر تقسيمه الشهير لتاريخ الفكر الإنساني وتطوّره إلى ثلاث مراحل،
تدفع اللاحقةُ السابقةَ وتنسخها: الدينيّة، ثمّ
الفلسفيّة.
وأخيراً العلميّة المعتمِدة على
المنهج الوصفي، والمعروفة اختصاراً بـ(الوضعية). وفقًا لذلك، كانت
مرحلة الاعتماد على الدين هي المرحلة التي كان الإنسان فيها يجهل
أسباب الحوادث وعلل الظواهر، ومع تقدّم العلم وتطوّره المتزايد في
الكشف عن الأسباب الحقيقية للظواهر فإنّ دائرة الدين تأخذ بالإنحسار
شيئاً فشيئاً حتى تنعدم حاجّة الإنسان للدين، وتحلّ المرحلة
الوضعيّة / العلميّة محل الدين!
مضى على تحليل كونت أكثر من (150)
سنة، ولم يكن حينها قد بلغ العلم نصف ما بلغه اليوم وعلى جميع
المستويات، لكنّ الواقع الفعلي الذي يسبق التحليل ويحكمه يفيد أنّ
التطوّر التقني والتقدّم العلمي كلّما تزايد أكثر ازداد معه شعور
البشريّة بالفراغ الروحيّ، واشتدّتْ الحاجّة للدين أكثر، حتى أنّ
بعض علماء الاجتماع، اعتقد بأنّ ثمّة اعتلال روحي يرافق عمليّة
تحديث وعصرنة العالم، عبّر عنه: الإنسلاب أو الاغتراب عن الذات،
بلحاظ ما يفرضه التحديث من عالم لا يلاحظ فيه أية خصائص إنسانيّة:
مثل الجمال والبشاعة، والحبّ والكراهيّة.. وبالرغم من أنّ هذه
الأمور جزءٌ من الحقائق الوجوديّة للحياة الإنسانيّة، لكنّ الرؤيّة
العلميّة التي نادتْ بها وضعيّة كونت تجعل من غير المشروع التحدّث
عنها على أنّها (حقائق موضوعيّة)، بل تراها مجرّد تصوّرات ذاتيّة!(
لماذا الدين ضرورة؟، ص14).
في ضوء ذلك، يمكن الإدعاء بأنّ
المراحل التي بنى عليها كونت معكوسة تماماً، بحيث تكون المرحلة
الوضعيّة / العلميّة هي الأولى، والمرحلة الدينيّة هي الأخيرة على
نحو تحاكي فيه المراحل المعرفيّة التي يقطعها الإنسان في نموّه، ففي
الطفولة يبدأ بمرحلة الإدراكات الحسيّة للوجود المادي، ثمّ مع نموّه
المتزايد تأخذ ادراكاته العقليّة بالتوسع والتعمّق ليدرك أنّ
المعرفة الحسيّة قاصرة، وأنّ الوجود أوسع من المادّة، ليبدأ مرحلة
جديدة باحثاً فيها عن إجاباتٍ للأسئلة الوجودية
الكبرى..
رغم ذلك، بقيت بعض خيوط الوضعيّة،
وظلّ عددٌ العلماء والفلاسفة عاكفين عليها، محاولين تطبيق مراحلها
حتى يومنا هذا حيث (العلمويّة). ففي إشارة محتملة للانتقال من
المرحلة الدينيّة إلى الفلسفيّة قيل: لقد مات الله.. وبصراحة أكثر
يقول هوكنغ: إنّ الجهل بطرق الطبيعة قاد الناس في العصور القديمة
لابتكار الإلهة،.. ثمّ في المرحلة اللاحقة جرى التبشير بموت
الفلسفة، وإحلال العلم محلّها..!، يضيف هونكغ: الفلسفة قد ماتتْ..
أمام تطوّرات العلم الحديث وخصوصاً الفيزياء..(التصميم العظيم،
ص14).
يقابل هؤلاء علماء آخرون، لا يكفون
عن التأكيد الدائم على أنّ التقدّم العلميّ يصحبه تقدّم في دواعي
الإيمان أكثر، وهو تأكيد أكثر تماسكاً ومنطقيّة من غيره، من حيث أنّ
العلم الذي يعمل فيه العلماء هو علم الله-كما يقول: هوتن زميل
الجمعيّة الفلكيّة - والله هو المسؤول عن قصّة العلم بكاملها..
فالترتيب المذهل والاتساق والثبات والتعقيد المبهر الذي يميز
التوصيف العلم للكون ليس إلا إنعكاساً لما يتميّز به النشاط الإلهي
من ترتيب واتساق وثبات وتعقيد(العلم ووجود الله ص33).
الطرح المتقدّم لا يسعى إلى إلغاء
الدين، ثمّ إلغاء الفلسفة وحسب، وإنّما يفضي إلى إلغاء جميع
المجالات التي لا يعتمد في منهجها على منهج العلوم الطبيعية
(كالفيزياء والأحياء..) القائم على الملاحظة والرصد والتجربة..
كالرياضيات والمنطق والفلسفة وغيرها من علوم عقلية ذات المنهج
الاستنباطي والاستدلال العقلي الذي يقوم على مقدمات عقلية بديهية
تجريدية غير تجريبية ؟! فضلاً عن الأخلاق والجمال والوجدانيات
والعلوم الإنسانيّة الأخرى كالاجتماع والنفس والتأريخ.. والطريف أنّ
العلم نفسه يعترف بالعجز داخل ميدانه، ويقرّ بقصوره عن حلّ لغز
الطبيعة، ففي التحليل الأخير نحن أنفسنا جزءٌ من الطبيعة، وبالتالي
جزء من اللغز الذي نحاول حله مثلما ينصّ مؤسس نظرية الكم الحائز على
جائزة نوبل: ماكس بلانك (ت: 1947م)، فكيف يراد اقحامه في غير مجاله:
أعني ما وراء الطبيعة؟!
وإلغاء هذه المجالات - ومنها
البديهيات العقليّة - سيرتدّ على العلم نفسه ويقوّض أركانه، وهذه
نقطة بالغة الأهميّة لذا سأحاول تبسيطها عبر المثال الآتي: لو
نظرنا للتحذير المكتوب على علبة السكائر: (التدخين سبب رئيس
لسرطان وأمراض الرئة وأمراض القلب والشرايين)، فإنّها عبارة
صادقّة علميّاً وبلا شك، ولكن الملاحظة الجديرة بالإلفات أنّ أغلب
المدخنين الذين وُجّه لهم التحذير لم تُجرَ عليهم بالذات تجارب
تفيد وقوعهم في تلك الأمراض جراء تدخينهم!! فكيف ساغ الحكم بصحّة
هذا التوجيه وصوابيّته بحقهم؟!، والجواب عن ذلك هو أنّ التعميم
بحقهم جرى وفقاً لقانون السببية، مع أنّ "مبدأ العلية ليس نظرية
علمية تجريبية، وإنّما هو قانون فلسفيٌّ عقليٌّ فوقَ التجربة؛
لأنّ جميع النظريّات العلميّة تتوقّف عليه، ويبدو هذا واضحاً كلّ
الوضوح بعد أن عرفنا أنّ كلّ استنتاج علميّ قائمٌ على التجربة
يواجه مشكلة العموم والشمول(فلسفتنا ص 356)