4 شوال 1446 هـ   3 نيسان 2025 مـ 11:49 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | مقالات في القرآن الكريم |  مصداقيّة القرآن، عدم استجابة الدعاء نموذجاً!!
2024-12-25   1224

مصداقيّة القرآن، عدم استجابة الدعاء نموذجاً!!

باسم الحلي

ابتلي القرآن الكريم، في كثير من آياته المتشابهة، التي قصد بها الله تعالى امتحان الخلائق، بكثير من الطعون التي لاكتها ألسنة الخصوم عبر التاريخ، كفار وغيرهم من المتشدقين..   

 من أبرز ما لاكته الألسنة من هذه الآيات، قوله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) المبتلاة بشتى التساؤلات والتأملات والتحليلات، أقصاها عند خصوم الإسلام أنّ القرآن، لا مصداقيّة له في هذه الآية الشريفة..

طرح علماء الإسلام وأهل الفكر والثقافة، أكثر من جواب، كلّها في نفسها مرضيّة صحيحة، لكن لوحظ عليها، أو على أكثرها أنّها -كما يشتهي أن يسمّيها الآخر- أجوبة تقليديّة غير مقنعة..

والكلام هو الكلام في: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (البقرة: 186) و: )إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ((إبراهيم: 29).

صياغة الإشكاليّة !!

موجزها بأبسط عبارة: الله تعالى يجزم قائلاً: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) والواقع الخارجي يشهد بعكسها؛ إذ لم نر أحداً دعا فاستجيب له مباشرة؛ فالآية لا مصداقيّة لها؛ ليتمادى بعض الكفّار زاعماً أنّ القرآن لو كان كتاباً سماوياً لما كذبّه الواقع الخارجي بهذه السهولة.

جواب الإشكاليّة!!

الإشكاليّة نفسها تحكّم ومصادرة؛ إذ من قال أنّ الله تعالى لم يجب من دعاه؟!!. 

عقيدة المسلمين بشتى مذاهبهم، وتباين عقائدهم، جازمة أنّ الله تعالى لا يرد داعياً، ولا يخيّب ساعياً، وعد الله =(ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) والله تعالى لا يخلف الميعاد..

فما من داعٍ قصد وجه الله، طارقاً باب فضله ورحمته وجوده، إلّا واستجاب الله تعالى له، من حيث يدري الداعي، ومن حيث لا يدري، عاجلاً أم آجلاً، مباشرةً أو مع الواسطة..

كيفيّة إجابة الله لكلّ دعاء!!!

استجابة الله لدعاء عباده، تنحو منحى طريقة الأب الحكيم في تلبية كلّ حاجات أولاده، حتى تلك المدرجة في القائمة الممنوعة على الأولاد..

أحياناً يطلب الولد المعاق من أبيه تسلّق جبل إيفرست، أو عبور نهر التايمز سباحة في البرد الشديد، مع أنّ نسبة نجاة مثله من أهل الإعاقة، ضئيلة جداً، لكن هل سيستجيب الأب لطلب ابنه؟!!.

سيأتي إلى الذهن فرضان لا ثالث لهما، وهذا خطأ، فإنّ عندنا فرض ثالث كل الصيد فيه، يفضح عوار المصادرة أعلاه بكل فخر، بل ورابع أيضاً..

لكن قبل التعرض للفرض الثالث، وكل الصيد فيه، فإن الفرضين كالآتي:

الفرض الأوّل: أنْ يستجيب الأب لطلب ابنه، مع احتمال نجاته الضئيل.

لا يتردد المنطق البشري، ولا عقلاء البشر، في وصف الأب بالأحمق.

الملاحظ أنّ أغلب أدعية البشر، معاقة عقلياً منطقياً، تتمنّى تسلق جبل الأمنيات الإيفرستية المهلكة، والله تعالى ليس بأحمق ليستجيب لهؤلاء المعاقين، فهو أحكم الحاكمين.

وصف الله تعالى هذا الأغلب فقال: (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ) (سورة هود:9-10) .

الفرض الثاني: أنْ لا يستجيب الأب لطلب ابنه خوفاً عليه.

نفترض -وهو واقع أغلب الآباء مع أولادهم- أنّ الأب عاقلٌ حكيم؛ لم يلبّ طلب ابنه المعاق خوفاً عليه من الهلاك، لكن هل ينتهي الأمر على هذا؟!!!. هذا هو ..

الفرض الثالث: الاستجابة البديلة.

أغلب الآباء، سيما الأمّهات اللائي هنّ أولى برحمة الأولاد وتلبية أمنياتهم، إذا منعوا أولادهم ما فيه ضررهم وأذاهم وربما هلاكهم، فإنّهم لا يتركون الاستجابة البديلة..

فالأب العاقل السوي، وأغلب الآباء هكذا، إذا منع ابنه المعاق تسلّق جبل ايفرست خوفاً عليه، لن يهدأ قلبه بالاً حتى يعوّضه ما يكافىء المدرج في قائمة الممنوعات، إمّا بشراء دراجة في عيد الميلاد، أو جهاز الكتروني، أو بدلة جميلة، أو تذكرة سفرة جميلة، ونحو ذلك..

يتناول قول الله تعالى: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) الاستجابة البديلة؛ فالله تعالى لا يترك إجابة أحد؛ فلقد قضى سبحانه إمّا أنْ يجيب دعوة الداع إجابة تماثل مضمون الدعاء على المطابقة، أو بديلة عن ذلك على التعويض، كما قال سبحانه: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (البقرة: 186) . الشامل لكليهما..

ممّا ينفع أن يكون دليلاً على الاستجابة البديلة، ما أخرجه الكليني بإسناد صحيح عن أبي بصير قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام فقلت له: أنتم ورثة رسول الله صلى الله عليه وآله؟!. قال عليه السلام: «نعم». 

قلت: رسول الله صلى الله عليه وآله وارث الأنبياء، علم كل ما علموا؟!. قال لي عليه السلام: «نعم».

قلت: فأنتم تقدرون على أن تحيوا الموتى، وتبرءوا الأكمه والأبرص؟!. قال: «نعم بإذن الله». ثم قال لي: «ادن مني يا أبا محمد». فدنوت منه فمسح على وجهي، وعلى عيني، فأبصرت الشمس والسماء والأرض والبيوت، وكلّ شيء في البلد.

ثمّ قال لي عليه السلام: «أتحبُّ أن تكون هكذا، ولك ما للناس، وعليك ما عليهم يوم القيامة، أو تعود كما كنت ولك الجنة خالصاَ»؟!. 

قلت: أعود كما كنت، فمسح على عيني، فعدت كما كنت قال: فحدثت ابن أبي عمير بهذا فقال: أشهد أنّ هذا حق كما أنّ النهار حق». (الكافي 1: 174. باب مولد أبي جعفر، محمد بن علي الباقر عليه السلام) .

ومن ذلك موثق هارون بن خارجة، عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: (إنّ الدعاء في الرخاء، يستخرج الحوائج في البلاء) (الكافي 2: 473) وهو ظاهر في الاستجابة البديلة، والأخبار الصحيحة في الاستجابة البديلة متواترة، لا يسعها مقال.

الفرض الرابع: عناد الداعي.

لو أصرّ المعاق على الذهاب لتسلق إيفرست، إلى درجة تهديد أبيه بالانتحار، إذا لم يوافق، قد لا يجد الأب بدّاً إلّا أن يوافق على مضض، حتى مع احتمال النجاة الضئيل، إذ الاحتمال الضئيل يلجئ الأب إلى أقل الاحتمالين ضرراً .

الله تعالى يفعل هذا؛ فيستجيب حتى ما كان ممنوعاً، مع الإلحاح والإصرار، طلباً لأقل الضررين؛ فأقوى الاحتمالين أنّ الله تعالى إذا لم يستجب لاختل نظام القلب عقدياً، ولعمّت الفتنة.. 

من الأمثلة على ذلك: (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ) .

إجابات الله تعالى الأدعية التي من هذا القبيل قليلة؛ لا يمضيها الله تعالى إلّا إذا بلغ سيل الداعي الزبى في الحمق الأيفرستي.

وأخيراً، لو تساءلنا، أين آثار أدعية المسلمين البديلة، قياساً بمجتمعات التطور الغربي؟!!.

قلنا: يكفي أنّ الله تعالى جنب بلاد المسلمين، مع أخطائهم الكثيرة والكبيرة، موت الفطرة، ودناسة المواليد، والجنايات، وولادة الأمراض وغير ذلك ..

فليس من مرض معدي كالأيدز والكورونا والإيبولا وانفلاونزا الخنازير والطيور ، إلّا كان مولده بلادٌ لا تعرف القرآن ولا دعاء الله الواحد الأحد ..    

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م