4 شوال 1446 هـ   3 نيسان 2025 مـ 12:02 مساءً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | الإمامة |  المهدوية بين الرمزية والاختلاف: هل أثر التنوع العقدي على جوهر القضية؟
2025-04-01   25

المهدوية بين الرمزية والاختلاف: هل أثر التنوع العقدي على جوهر القضية؟


الشيخ معتصم السيد أحمد
تعد القضية المهدوية واحدة من أبرز القضايا التي تتجلى فيها رمزية الحق والعدل في التاريخ الإنساني، وهي ليست وليدة عصر معين، بل امتداد طبيعي لحركة الأنبياء والصالحين في مواجهة الظلم والجور. ومن أجل فهم الرمزية التي تمثلها القضية المهدوية، لا بد أن نحدد مفهوم الرمزية بوضوح. فالرمزية ليست مجرد إشارة إلى شيء آخر، وإنما هي تمثيل لقيمة محورية تتجسد في مثال حسي أو معنوي، وهذا ما يجعل الرموز تشكل نقطة التقاء المجتمعات والأمم حول مبادئها الكبرى.

إننا عندما نتحدث عن رمزية أي قضية، فإننا ننظر إلى مدى تأثيرها في تشكيل الوعي الجمعي للأمة، فمثلاً، كربلاء الحسين (عليه السلام) ليست مجرد واقعة تاريخية، بل هي رمز للثورة والرفض المطلق للظلم، وفرعون ليس مجرد ملك قديم، بل هو رمز للطغيان والاستبداد، والعَلم الوطني لأي دولة ليس مجرد قطعة قماش، بل هو عنوان الهوية الجامعة للمجتمع. وهكذا فإن الرمزية لا ترتبط فقط بالمعاني المجردة، بل تتجسد في شخصيات وأحداث ومفاهيم محسوسة تعبر عن قيم ومبادئ متجذرة في الوعي الإنساني.

وعلى هذا الأساس، يمكننا تصنيف القضية المهدوية ضمن القضايا الرمزية الكبرى في التاريخ الإسلامي، حيث تمثل ذروة الأمل الإنساني في تحقيق العدالة المطلقة والانتصار النهائي للحق. فالمهدي المنتظر (عجل الله فرجه) ليس مجرد شخصية دينية، بل هو رمز عالمي لقيم العدل والقسط وإصلاح الأرض، وهو المثال الأعلى للحاكم الذي يسعى كل المصلحين في العالم إلى بلوغ شيء من عدالته. ولذلك، فإن غياب الإمام عن الساحة لا يعني غياب رمزيته، بل يظل حاضراً في الوجدان الإسلامي والعالمي كمثال للعدل الموعود.

وهنا يثار التساؤل: هل أدى الاختلاف بين المسلمين حول شخصية المهدي إلى إضعاف رمزية القضية المهدوية؟ الواقع أن الاختلاف لم يؤثر على جوهر القضية، فكل المسلمين بمختلف مذاهبهم يؤمنون بظهور رجل من ذرية النبي (صلى الله عليه وآله) في آخر الزمان ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً. وهذا الإجماع يشكل بحد ذاته تأكيداً على رمزية الفكرة، حتى وإن تعددت التصورات حول تفاصيلها.

إن الرمزية لا تتأثر بالخلافات الثانوية، فكما بقيت رمزية النبي محمد (صلى الله عليه وآله) محفوظة رغم اختلاف الناس في تفاصيل سيرته، وكما بقيت رمزية الإمام علي (عليه السلام) كرمز للعدل والحكمة رغم الاختلاف في النظر إليه، فإن رمزية الإمام المهدي تبقى حاضرة كعنوان للعدل الإلهي حتى وإن اختلف الناس حول شخصه. وهذا الأمر ينسحب على الكثير من الرموز في التاريخ الإنساني، فكم من شخصيات شكلت رموزاً للحرية والعدالة رغم أن الناس لم يكونوا متفقين حول كل تفاصيل حياتهم؟ إن الرمزية تكمن في القيمة التي يمثلها الرمز أكثر من التفاصيل المحيطة به، وهذا هو السر في بقاء قضية المهدوية حية وفاعلة رغم اختلاف التصورات حولها.

كما أن الإنسان بطبيعته لا يستطيع استيعاب القيم المجردة إلا من خلال تجلياتها المحسوسة، فالعقل لا يدرك مفهوم الرحمة إلا عندما يراها متجسدة في شخص رحيم، ولا يفهم معنى العدل إلا عندما يراه متحققاً في واقع ملموس. وهكذا فإن الإمام المهدي هو التجسيد الأتم لفكرة العدل الإلهي، وهو النموذج الأعلى الذي يستلهم منه كل الساعين إلى تحقيق العدل في مجتمعاتهم.

إن رمزية الإمام المهدي لا تقتصر على المسلمين وحدهم، بل تمتد لتشمل الإنسانية جمعاء، إذ أن فكرة المخلّص أو المصلح العالمي ليست محصورة في الإسلام فقط، بل نجدها متجذرة في مختلف الديانات والثقافات. فاليهودية تتحدث عن المسيّا المنتظر _ في العقيدة اليهودية هو شخصية موعودة يُنتظر قدومها ليحقق الخلاص لشعب بني إسرائيل، ويقيم مملكة عادلة تحكم بالشريعة الإلهية. يُعرف في العبرية بـ "משיח" (مشيَّح) والتي تعني "الممسوح بالزيت"، أي الشخص المقدّس أو المختار من قبل الله _ والمسيحية تؤمن بعودة المسيح، وحتى في الفلسفات الشرقية هناك إيمان بظهور شخصية تحقق العدالة على الأرض. وهذا يؤكد أن فكرة الانتظار والأمل بالخلاص قضية إنسانية عامة، مما يعزز رمزية القضية المهدوية ويجعلها محط اهتمام عالمي يتجاوز الحدود الدينية والمذهبية.

ولا يمكن إغفال البعد الاجتماعي والسياسي للقضية المهدوية، فهي ليست مجرد عقيدة نظرية، بل لها انعكاسات عملية على حياة الأفراد والمجتمعات. فالإيمان بالإمام المهدي يولّد لدى أتباعه حالة من الارتباط العميق بمبدأ العدالة، مما يدفعهم إلى السعي لتحقيقها في واقعهم قدر المستطاع. ولهذا نجد أن المجتمعات التي تؤمن بالمهدوية تمتلك حساً عالياً برفض الظلم والسعي لإقامة القسط، لأنهم يعتبرون أنفسهم امتداداً للمشروع الإلهي الذي سيتحقق بظهور الإمام. وهذه العقيدة تجعلهم أكثر وعياً بمسؤولياتهم الأخلاقية والاجتماعية، حيث يسعون لأن يكونوا جزءاً من حركة الإصلاح حتى قبل ظهور المهدي نفسه.

وقد حاول البعض التقليل من رمزية الإمام المهدي عبر التشكيك في وجوده أو في دوره المستقبلي، إلا أن هذه المحاولات لم تؤثر على حضور القضية في وجدان المسلمين، بل ربما زادتهم تمسكاً بها. فمنذ القرون الأولى حاولت بعض الاتجاهات الفكرية والسياسية طمس هذه القضية أو تشويهها، ولكنها بقيت حية لأنها تلبي حاجة فطرية لدى الإنسان، وهي التطلع إلى عالم أكثر عدالة. ولو كانت القضية مجرد فكرة عابرة، لما استطاعت الصمود أمام كل تلك المحاولات عبر التاريخ.

إن الأمل بالعدل المطلق ليس مجرد حلم، بل هو وعد إلهي أكدت عليه النصوص الدينية، ومن هنا فإن رمزية الإمام المهدي لا تقتصر على كونه شخصية تاريخية أو غيبية، بل تتجلى في كونه عنواناً لوعد الله بتمكين الحق ونصرة المستضعفين. وهذه الرمزية تعطي للأمة طاقة معنوية عظيمة، وتجعلها في حالة انتظار إيجابي يدفعها إلى العمل والسعي نحو بناء مجتمع قائم على القسط، بدلاً من الاكتفاء بالانتظار السلبي. فالإمام المهدي ليس مجرد شخصية ستأتي في المستقبل، بل هو فكرة حية تزرع في النفوس الأمل والعزيمة والاستعداد للمشاركة في مشروع الإصلاح العالمي.

وفي الختام، إن رمزية القضية المهدوية لم تتأثر بالاختلافات الفقهية والعقدية، بل بقيت راسخة في الضمير الإسلامي والعالمي كعنوان للأمل في عالم أكثر عدالة. وإذا كانت بعض المجتمعات قد لا تعترف بهذه الرمزية، فإن ذلك لا ينقص من قيمتها، فكما أن كثيراً من الناس قد لا يعترفون برسالة النبي محمد (صلى الله عليه وآله) فإن ذلك لا يمس جوهرها ولا يغير من حقيقتها. القضية المهدوية ليست مجرد مسألة غيبية بقدر ما هي مشروع إصلاحي عالمي يتطلع إليه كل من آمن بإمكانية انتصار الحق، وهي تمثل نقطة الالتقاء بين الماضي والحاضر والمستقبل في حركة الإنسانية نحو العدالة المطلقة، ولذلك فإنها ستبقى رمزاً خالداً مهما اختلفت الآراء حول تفاصيلها.

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م