

| تأريخ الإسلام | فلسفة التاريخ السماويّة بين الحتمية واللاحتميّة
2025-03-04 720

فلسفة التاريخ السماويّة بين الحتمية واللاحتميّة
الشيخ باسم الحلي
فلسفة التاريخ، كما طرحها فلاسفة التاريخ الحتميين، تعني بإيجاز: قراءة التاريخ والمجتمع والإنسان، في الأزمنة الثلاثة، أي: بدراسة الماضي والحاضر لغرض التنبؤ بالمستقبل كيف سيكون، أو إمكانيّة تغييره بناءً على قوانين مستلهمة من حوادث الماضي ووقائع الحاضر، مشادة على منطق ما، وطريقة تفكير ناهضة بالدراسة..
قال كارل بوبر: «علم الاجتماع في
نظر التاريخي، هو التاريخ النظري، يجب أن تقوم تنبؤاته على
قوانين...، القوانين الاجتماعية الحقيقيّة يجب أن تكون صادقة بوجه
عام على كلّ التاريخ الإنساني بجميع فتراته، ولكن لا يمكن أنْ يوجد
من القوانين الاجتماعية ما يصدق فيما وراء الفترات المفردة...» (عقم
المذهب التاريخي، كارل بوبر: ص55).
جوهر فلسفة التاريخ قائم على
قوانين سير التغيرات الاجتماعية وتطورها، المستلهمة من الماضي
والحاضر، بداهة أنّ المجتمع والتاريخ وجهان لعملة
واحدة..
قال كارل بوبر، وهو من أشد
المنتقدين لها، أي: لفلسفة التاريخ وما تدعيه من الحتميّة: «التاريخ
الذي يريد التاريخيون، اعتباره وعلم الاجتماع شيئاً واحداً، لا يعود
ببصره إلى الماضي وحسب، بل يلقي به أيضاً إلى المستقبل، وعلم
التاريخ بهذا المعنى يدرس القوى المؤثرة بشكل عام، وقوانين التطور
الاجتماعي بشكل خاص...، القوانين الاجتماعية الصادقة صدقاً كليّاً
هي في زعم المذهب التاريخي، قوانين تاريخيّة...، يجب أن تكون قوانين
للصيرورة والتغيّر...، وإدراك علل هذه الصيرورة، حتّى يستعد الناس
لاستقبال التغيرات وشيكة الوقوع باستنباط النبوءات من تلك القوانين»
(عقم المذهب التاريخي، كارل بوبر: ص60).
يلزم إلفات النظر إلى ان فلاسفة
التاريخ على قسمين: فمنهم من يعتمد الحتميّة التاريخيّة في قراءة
الأشياء؛ كهيجل وماركس واشبنغلر وتوينبي وكونت، كلّ منهم حسب تفسيره
لها والمنطق الذي اعتمده فيها.
وهناك من فلاسفة العلم، من انتقد
الحتميّة بضرواة أبرزهم كارل بوبر، حيث فرق بين النبوءة والتنبّؤ،
وأنّ النبوءة التاريخيّة (الحتميّة التاريخيّة) غير التنبؤ
التكنلوجي كما في الأرصاد الجويّة، ولا ضابطة يقينيّة "فيزيائيّة"
في الأول ، بخلاف الثاني..، وما كان كذلك من السخف افتراض الحتميّة
فيه..
فهيجل يرى أنّ الصراعات الإنسانيّة
عبر التاريخ، في ضوء منطقه الديالكتيكي، كفيلة حتماً بتطور الفكر
البشري مستقبلاً، وهو السبيل الحتمي للحريّة والعقلانيّة والروح
المطلقة..
يرى هيجل أنّ كل مرحلة تاريخية، هي
خطوة ضرورية لتطور الوعي البشري؛ والدولة تجسيد لهذا الوعي (العقل)،
والتاريخ يسير نحو تحقيق الروح المطلقة التي تمثل أعلى درجات الحرية
والتطور الفكري.
وماركس يرى أنّ الصراعات الطبقيّة
بين العمال والرأسماليين، في ضوء منطق الديالكتيك الخاص به (المعدل
عن ديالكتيك هيجل)، سينتج عنها مستقبلاً الشيوعيّة حتماً؛ وهي
المرحلة الإنسانيّة التي تتساوى فيها الموارد بشكل عادل بين الناس
بلا طبقيّة ولا رأسماليّة.
واشبنغلر يرى أنّ الحضارات والدول،
كالكائنات الحية، تمر بشكل دوري، بمرحلة الولادة فالشباب فالشيخوخة
والموت، وهذا قانون حتمي..
وأرنولد توينبي يقول بحتميّة ولادة
وسقوط الحضارات، حسب نظريته في التحدي والاستجابة، الفعل ورد الفعل،
وهو قانون حتمي..
وأوغست كونت يرى في نظرية المراحل
الثلاث، أنّ عاقبة المجتمع البشري بعد مرحلتي الدينيّة (مرحلة
الخرافة) والفلسفيّة (محاولة إثبات الخرافة بالدليل الميتافيزيقي)
هي المرحلة الإنسانيّة، أو دين الإنسانيّة..؛ إذ سيعي الإنسان مع
تقدم التكنلوجيا، أنّه كان في خرافة، وأن الميتافيزيقا ليست إلّا
جهل لا تعبّر عن الواقع الخارجي (المادي)، وهذا قانون حتمي عنده
مبني على الاستقراء الواقعي لسير المجتمعات في التاريخ، كالاستقراء
المختبري..
وفي المجال النفسي، فإنّ فرويد يرى
أنّ كلّ أفعال الإنسان، محكومة بالغريزة، وهذا عنده قانون حتمي يقرأ
فيه مستقبل البشريّة..، إلى غير ذلك ممّا لا يسع المقال
حصره..
الحاصل: يرى فلاسفة التاريخ أنّ
جوهر فلسفة التاريخ قائم على حركة المجتمع التاريخيّة في كل
مجالاتها، سياسياً واقتصادياً ودينياً وحضارياً وعسكرياً ونفسياً،
في ظل قوانين الصيرورة الحتميّة، وعلل تغيّرها...، من هيهنا قيل:
إنّ فلسفة التاريخ، هي القوانين الحتميّة للتنبؤ بما سيتحتّم أن
يكون عليه مستقبل المجتمع الإنساني.
نقد فلسفات التاريخ!!
قال بوبر -بتصرف يسير-: «يستحيل
التنبؤ بمستقبل سير التاريخ؛ وذلك لأسباب منطقيّة بحتة؛ فإنّ
التاريخ الإنساني يتأثر بنمو المعرفة البشريّة؛ لكن لأنها متنامية
يستحيل التنبؤ المطلق بمستقبل التاريخ؛ لاختلاف قوانين الحتميّة قبل
وبعد النمو؛ هذا الدليل لا يدحض بالطبع كلّ أنواع التنبؤ الاجتماعي؛
كالتنبؤ الاقتصادي خلال شروط معينة». (بؤس الآيديولوجيا: 9. كارل
بوبر).
كلّ فلاسفة التاريخ أعلاه يرون
حتميّة ما سيكون في المستقبل، كلّ فلسفة حسب مضمونها وموضوعها، وكما
نرى فإنّ الشيء الوحيد الذي اتفقت عليه فلسفة التاريخ عند هؤلاء هو
الحتميّة لا غير، أو قل شكلها دون مضمونها ومحتواها؛ لتباين
فلسفاتهم فيما هو محتوم التحقق ومتيقّن الوقوع، وهو يقود إلى أنّ
كلّ الحتميات المفترضة أعلاه يمتنع دعوى اليقين في إطلاق حتميتها
لكلّ شيء..
لعلّ ما قاله هيكل في نمو الوعي
البشري (الروح المطلقة)، أفضل ما يمكن للعقل والمنطق قبوله، لكن
واقع التاريخ البشري لا يرى ذلك؛ فأي روح مطلقة مع أنّ مجموع
الحلفاء والروس، وهم وريثو الحضارة البشريّة وعصارة تاريخ الإنسان
فيما يزعم البعض، اغتصبوا في الحرب العالميّة الثانية مليوني إمراة
في تحرير برلين، ناهيك عن مقتل ثمانين مليون إنسان نتيجة هذه
الحرب..
هذا العدد في حرب واحدة، لم يحدث
طيلة مجموع قتال البشر بينهم عبر التاريخ، ولا ننسى جرائم حرب
فيتنام وأفغانستان واغتصاب فلسطين وما لا يحصى سرده، كما لا يسوغ أن
نتناسى سقوط مليون شهيد في احتلال فرنسا للجزائر؟!!.
كلّ فلسفات التاريخ أعلاه، مصابة
بداء التوحد؛ فالعدالة الاقتصاديّة التي ينشدها ماركس رائعة في
اللسان، لكنّ نظرة بسيطة للواقع البشري في الاتحاد السوفيتي والصين
في عهد ماوتسي تونغ في القرن الماضي وإلى اليوم، كفيلة لأن يجزم
العقل والوجدان أنّ كرامة المجتمعات الماركسيّة في أسوا
حالاتها..
فحتى لو افترضنا أنّ حتميّة كلّ
واحد من فلسفات التاريخ أعلاه، صحيحٌ في نفسه وفي حدّه، لكنّه بكل
تأكيد يحتاج إلى تعديل جوهري وإصلاح ذاتي..
نظير حتميّة قوانين الجاذبيّة
لنيوتن، فإنّها مع كونها قوانين حتميّة صحيحة في السرعات البسيطة
والكتل الكبيرة، لكنّها فاشلة في السرعات القريبة من سرعة الضوء،
كما انّها فاشلة كذلك في الكتل الصغيرة ككتلة النيوترون والفوتون
والألكترون..
لذلك لا يمكن دعوى اليقين المطلق
فيها، حتّى مع كونها في حدّها الضيّق، صحيحة في نفسها؛ لاحتياجها
إلى التعديل المستمر، وإلى دقّة الإحاطة بالتفاصيل بلا انقطاع، وهو
ما فعلته نسبيّة إينشتاين العامّة إلى حد ما، لكن حتى نسبية
آينشتاين غير قادرة على أن تعبر عن الواقع تماماً، إلّا مع التعديل
الدؤوب والملاحظة المستمرة..
قال كارل بوبر: «هذه القوانين
التاريخيّة، إن أمكن اكتشافها، تمكننا من التنبؤ بالحوادث البعيدة،
رغم خلو هذا التنبؤ من دقّة التفاصيل». (عقم المذهب التاريخي، كارل
بوبر: ص55).
لذلك فإنّ بعض فلاسفة العلم الدائر
مدار التجربة والملاحظة، رفض فلسفة التاريخ بإصرار، وانتقد الحتميّة
أشدّ انتقاد، أبرزهم كارل بوبر..، فلقد انتقد الحتميّة في كل
المجالات الطبيعيّة والسياسيّة والاجتماعية والنفسيّة؛ لينفي بدوره
اليقين بالحتميّة المطلقة والمحتوم المطلق، وأنّ المتعيّن هو العلم
المشاد على الاحتمال الدائم، والملاحظة الدؤوبة، والتجربة
المستمرّة.
لا أدريّة كارل بوبر
كارل بوبر (Karl Popper) فيلسوف
(نمساوي 1902-1994م) يُعد من أبرز فلاسفة العلم في القرن
العشرين.
كما أنّه من أبرز الفلاسفة (فلاسفة
العلم الطبيعي) الذين انتقدوا الحتمية (Determinism) إذ قد دافع عن
فكرة اللاحتمية (Indeterminism) في مجال العلم والفلسفة. كان يرى
أنّ العالم غير قابل للتنبؤ الكامل، وأن المعرفة العلمية تقوم على
التخطئة (Falsification) وليس على الاثبات المحصور باليقين المطلق،
وبما أنّ هذا المطلق لا وجود له واقعاً فإنّ مدار كل فلسفته على
التخطئة لا على الإثبات.
لذلك هو من الفلاسفة اللاأدريين،
على منوال دافيد هيوم، فهو وإن لم يثبت وجود الإله؛ لاحتياج الإثبات
يقيناً مطلقاً، وهذا لا وجود له في فلسفة العلم التجريبي (المختبري
التكنلوجي) التي تبناها بوبر، لكن لم ينفه أيضاً، لاستلزام النفي
فيما قال هو، يقيناً مطلقاً، وفلسفته العلميّة (التكنلوجيّة) عاجزة
عن ذلك أيضاً تماماً؛ كونها قائمة على التخطئة في كلا
الفرضين..
لأنّ كلاً من الإثبات والنفي عنده،
بحاجة إلى التجربة والملاحظة، وكلاهما، خلال الملاحظة والتجربة، لم
يثبتا أو ينفيا ذلك، بنحو يقيني حتمي إلى اليوم..
وهذا خطأ واضح من الأستاذ بوبر ومن
عامّة الملاحدة واللا أدريين؛ فإنّنا مهما شككنا، لا يمكن أن نشكّ
أنّ كلّ شيء، لا بدّ أن يكون قد جاء من شيء، وإلّا لزم وجود الشيء
من لا شيء، وهذا ترفضه الملاحظة والتجربة وعامة قوانين الفيزياء
الماديّة اليقينيّة التي لا يمكن لبوبر اللاأدري، ولا غيره من
الملاحدة أن ينكرها، إلّا إذا أنكر كلّ قوانين الفيزياء القائمة على
امتناع تصوّر القوى الأربعة (القوة النووية القوية، القوة النووية
الضعيفة، القوة الكهرومغناطيسية، والجاذبية) بلا شيئيّة الأشياء،
وأنّها جاءت من لا شيء، وهذا لا يمكن أن يقول به الأستاذ بوبر وبقية
الملاحدة؛ فتعيّن أنّ كلّ شيء جاء من شيء حتى مع عجز العقل عن معرفة
ماهيّة هذا الشيء..
نظرية الانفجار الكبير، مهما اختلف
الفيزيائيون في تفسيرها، فهي بجميع الأحوال صريحّة أنّ الزمان
والمكان والمادة قد وجدا من لا زمان ولا مكان ولا مادّة ولا أبعاد
ولا شكل ولا حجم، الشيء الوحيد الماثل للفيزياء ، مع عجزها التام،
هو يقينها التام بوجود قوّة (شيء) أوجدت كلّ هذه الأشياء، أو كل هذه
الأشياء وجدت منها..
لنبيّن هذا بمثال واضح كالآتي:
فلقد جزم الفيزيائيون أو أغلبهم بوجود مادّة مظلمة في الكون، مع
أنّهم لم يروها؛ وبحسب ما قالوا فإنّ مجموع الكون مادة وطاقة، وكلّ
ما في هذا الكون من مادّة عاديّة نسبتها هي: 4.9٪، وأمّا المادة
المظلمة فبنسبة 26.8٪، وكل ما تبقّى في الكون فهو طاقة مظلمة بنسبة
68.3٪.
إنهم جزموا بوجودها، مع أنّها لا
تبعث أي ضوء، ولم يروها إلى اليوم بأقوى التلسكوبات والعدسات؛ إذ
انبعاث الضوء منها، وإنحناؤه (بلا سبب مادي محسوس) دليل على وجودها،
وإنّما قالوا بوجودها جزماً؛ لأنّه لا يمكن تفسير سرعة النجوم
البعيدة عن مركز المجرّة قياساً بكتلتها المرصودة، إلّا بافتراض أنّ
لها كتلة أكبر بكثير من الكتلة المرصودة؛ إذ يجب أن تكون أبطأ حسب
المعادلات الرياضيّة الصحيحة، مع أنّها أسرع واقعاً.
التنبؤ والنبوءة
يفرق بوبر بين التنبؤ والنبوءة،
أطلق على الأوّل التنبؤات التكنلوجيّة، وهي التي يمكن وصفها
وملاحظتها خلال العلوم التجريبيّة والمختبريّة؛ فيمكن التنبؤ بحالة
الطقس خلال بعض المعادلات الرياضيّة القائمة على الملاحظة المختبرية
والاستقراء المادي..
سبب هذه التفرقة، فيما ربما اتّضح
هو أنّ التنبّؤ يمكن ملاحظته مختبرياً وتكنلوجياً، أمّا النبوءة
(يقصد الحتميّة التاريخيّة) فمستحيلة؛ بداهة استحالة إخضاع التغيرات
الاجتماعية، والتحولات السياسية، والصيرورات التاريخيّة، للتكنلوجيا
بأي شكل من الأشكال.
قال بوبر: «إنّ التاريخيين بما
يتفق واعتقادهم باستحالة التجارب الاجتماعية وعدم فائدتها، يحبّذون
النبوءة التاريخيّة؛ أعني: التنبؤ بالتطورات الاجتماعية والسياسيّة
والنظميّة». (عقم المذهب التاريخي: 59) ..
غرض بوبر من هذا، إنكار الحتميّة
المطلقة التي ينادي بها فلاسفة التاريخ، حتى مع أنّه لا ينكر
إمكانيّة النبوءة التاريخيّة أحياناً، لكن أن تكون قانوناً مطلقاً
فهذا محال عنده؛ لامتناع إخضاع ما كان تحت اختيار الإنسان والمجتمع
من السلوكيات، سلباً أو إيجاباً ، إلى قانون فيزيائي ثابت، كما هو
الحال في التنبؤ بحالة الطقس مثلاً، أو سرعة الكوكب الفلاني ونحو
ذلك.
الحتميّة واللاحتميّة في
الإسلام..
الإسلام وإنْ أقرّ بالحتميّة، بل
نادى بها، وأنّ مستقبل المجتمع البشري لا بد أن تكون له نهاية ناصعة
ما، في وقت ما بلا تعيين، كما أبان القرآن كثيراً، إلّا أنّه لم
يسلب البشر اختياراته في صناعة مستقبل التاريخ، ولا المجتمع قراراته
في إمكانيّة تغيير كثير ممّا هو مصنف عند فلاسفة التاريخ محتوماً
..
فالقرآن لا ينظر إلى المجتمع ـ كما
نظر إليه فلاسفة التاريخ على أنّه آلة صمّاء، كالثلاجة تبرد الماء
مع الكهرباء حتماً..؛ إنّه ينظر إلى المجتمع كما ينظر إلى الأرض
الصالحة لزراعة الفواكه والثمار، يمكن أن تنتج الفاكهة إذا اجتهد
الإنسان في زراعتها ووفر لها شروطها وأزال موانعها..
ذات الوقت يمكن أن تعطي الحشائش
المزعجة والنباتات الضارة، إذا أهملها الإنسان ولم يعبأ بها..، يمكن
للأرض أن تحيي وتنتج، كما يمكن أن تموت حسب اختيار الإنسان وإرادة
المجتمع..
كان يمكن للمجتمع البشري ألا يصاب
بمرض الإيدز، لو ترك الزنا واللواط حتى مع الحيوان، لكنه زنا ولاط
مع الحيوان (القرود والكلاب) فانتشر الإيدز..
وأيضاً كان يمكن لمجتمع البشر ألا
يصاب بأنواع كثيرة من أمراض السرطان لو ترك طغيانه وجنونه في
التعامل مع المواد المشعة والمفاعلات النووية لصناعة الأسلحة
الذريّة والنوويّة، كان يمكن ألا يصاب بتليف الكبد لو ترك
الخمر..
كان يمكن أن لا يموت ثمانون مليون
إنساناً في الحرب العالمية الثانية، لو كان كلّ من النازية والفاشية
والشيوعيّة والرأسماليّة الغربيّة وجنون الامبراطوريّة اليابانيّة،
أكثر إنسانيّة وأقل وحشيّة، والجميع قادر على ذلك ..
الحتميتان في القرآن = فلسفة تاريخ
الإسلام
نتساءل، هل في مجتمع البشر
إمكانيّة تعامل الإنسان مع أخيه الإنسان بإنسانيّة وعقلانيّة ولطف
ورحمة وود وبناء، وأن لا يقتل أخيه الإنسان، ولا ينتهك عرضه، ولا
يسلب حقوقه، وأن لا يهدم الطبيعة..؛ ليكون كالملائكة؟!!.
وفي المقابل هل هناك إمكانيّة، أن
يكون الإنسان أبشع من الخنزير يأكل غائطه بل أولاده إذا جاع؛
وكالفأر ينكح أمه إذا احتاج، ويقتل أباه طلباً للسلطة، وكما فعلت
بعض الأميرات، تنكح أخاها لتنجب وريثاً للعرش..؛ ليكون كالشيطان
؟!!
القرآن يصور الإنسان، وبالتالي
المجتمع والتاريخ على هذه الحال المتغيّرة التابعة لاختيار الإنسان،
لا توجد حتميّة مطلقة تستوعب كل شيء على المدى القريب، لا في النفي
ولا في الإثبات، لا في السلب ولا في الإيجاب، كلاهما منوطان باختيار
الإنسان والمجتمع؛ القرآن ينادي بالحتميّة دون أدنى كلام، لكن كونها
(الحتميّة القريبة) سيئة أو حسنة؛ فهذا منوط باختيار
الإنسان..
لكن مع كلّ هذا؛ فالقرآن ينادي
بحتميتين:
الأولى: حياة الحقّ وموت
الباطل.
قال القرآن: (وَيَأْبَى اللَّهُ
إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) والكافر
في المفهوم الوسيع للقرآن لا يقتصر على المنكر لوجود الله سبحانه،
وإنّما يعمّ كلّ مجرم طاغيةٍ متفرعن، جاحد للحقيقة، منتهك لحرمة
الإنسان والإنسانيّة.
ليست هذه الآية الشريفة رؤية
ميتافيزيقيّة كما ربما يتوهم البعض؛ فإنّه مهما شككنا في شيء؛ فلا
نشكّ أنّ قاطبة البشر اتفقوا على قبح الظلم والجهل، وعلى حسن العلم
والعدل والرحمة، ومع هذا الاتفاق، وهو السبب الخفي لانهيارات كل
إمبراطوريات الطغيان على مرّ الزمان، لا يسعنا إلّا أنْ نقول: لا
بدّ أن يأتي يوم (لا نعلم متى) يتهيّأ للإنسان كشف كلّ علل الوجود
المنزهة عن الظلم ويؤمن بها، حتى بوبر وبقيّة اللاحتميين، لا يسعهم
إنكار هذا.
فلا نعتقد أنّ الأستاذ بوبر وبقيّة
اللاحتميين، ينكرون تجربة تسعة آلاف سنة في انهيار كلّ
الإمبراطوريات البشريّة، والكيانات النظميّة إلى غير رجعة؛ إذ لا
سبب يدعو لموتها وانهيارها إلّا كونها لا تمتلك أدنى أسباب الحياة
والبقاء المتجسدّة بالعدل والعلم والرحمة؛ ذاك العلم الإنساني،
المتشح بالرحمة والفهم، الذي لا ينتج مآساة نكازاكي وهيروشيما
وسرطان الدم والإيدز وأيبولا وكورونا ومقتل ثمانين مليون
إنسان.
مهما أخذ الطاعون من شعب أوربا،
لما أهلك ثلثهم، لكن بجميع الأحوال، هلك هذا الطاعون اليوم وبقي
الإنسان، كذلك الإنسان في تاريخ أنظمة الطغيان وإمبراطوريات
الشيطان، هو الباقي المنتصر في هذا الصراع، حتى لو كان الثمن
باهضاً.
قال القرآن: (وَنُرِيدُ أَنْ
نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ
وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ،
وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ
وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ).
الثانية: هلاك المادة
للقرآن حتميّة يقينيّة أبديّة أخرى
تقول: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) وجه الله ليس هو رؤية
ميتافيزيقيّة حسب، وإنّما هو من جانبه الوسيع يتناول حتى الحقائق
التي عجز المختبر عن الإحاطة بها، لكنه متيقن من وجودها..
وجه الله يعني فيما يعني -على
المعنى الوسيع- علّة وجود كوننا المرئي، يقول جماعة من الفيزيائيين
حسب نظريّة الانفجار الكبير، أنّ الكون كانت له بداية غير ماديّة،
أي: غير خاضعة للزمان، كما يجب أن تكون له نهاية غير ماديّة لا تخضع
له أيضاً؛ إذ كل ما كانت له بداية يجب أن تكون له نهاية، إنها دورة
حياة حتميّة.
بلى احتار علماء الفيزياء في سبب
وجود بداية الكون، وكيف وجدت هذه البداية، ولماذا وجدت، ومتى وجدت،
وهذا وإن كان كلّه لا محتوم فيه، إلّا أنّ المحتوم الوحيد هو وجود
سبب ما لكلّ هذا، وهذه حقيقة حتميّة لا يمكن حتى للأستاذ بوبر
المصادرة عليها؛ إذ لا بد من سبب أقوى من الزمان والمكان لوجودهما،
موجود قبل الزمان وبعد الزمان، قادر أن يوجد كل هذا الكون من نقطة
التفرد.
الأكثر قراءة
29924
19132
14542
11213