5 شوال 1446 هـ   4 نيسان 2025 مـ 6:02 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | تأريخ الإسلام |  الديموتاريخ في الإسلام
2025-03-06   151

الديموتاريخ في الإسلام


الشيخ باسم الحلي

لو تساءلنا كيف يمكن أنْ نقرأ التاريخ؟!.
وكيف يمكن الاستفادة من دراسة ماضيه وربما حاضره، لبناء مستقبله، أو التنبؤ به لا أقل، بل هل يمكن ذلك، وكيف؟!.
ما هي المعايير العلميّة التي على أساسها يمكن افتراض ذلك؛ فهل يمكن أن تكون النتائج حتميّة، أم نسبيّة، أم بين بين حسب الشروط والأحوال؟!.

اختلف الفلاسفة في الجواب عن هذا، على طائفتين: 
الطائفة الأولى: فلاسفة التاريخ:
وهؤلاء قالوا بأنّ دراسة التغيرات الاجتماعية بنحو استقرائي، سياسياً، أو اقتصادياً، أو فكرياً، أو دينياً، كفيلة للتنبؤ بمستقبل التاريخ والمجتمع كيف يمكن أن يكون بحتم وجزم ويقين.
كما في الروح المطلقة لهيجل، والشيوعية لكارل ماركس، والوضعية لأوغست كونت، وسقوط الحضارات الدوري لاشبنغلر، والتحدي والاستجابة لأرنولد تونبي، وغيرهم ... .
كل هؤلاء قالوا بحتميّة ما سيكون عليه مستقبل التاريخ، فكارل ماركس مثلاً يجزم بأنّ مستقبل التاريخ، هو الشيوعيّة، وكونت دين الوضعيّة الإنسانيّة، وهيجل روح الإنسانيّة المطلقة... . 

الطائفة الثانيّة: الفلاسفة الطبيعيين:
وهم من رفض الحتميّة بضرس قاطع؛ قالوا: الرضوخ للحتميّة يلغي عامل الاختيار الإنساني في قلب المعادلات وتغيير الحسابات..، ولا يمكن بأيّ حال من الأحوال ضبط هذا الاختيار في قانون مطلق في صيرورة الأحداث الماضية والحاضرة؛ لاختلاف الجميع في تفسير الماضي، فكيف بالمستقبل؟!. 

لا يوجد حتم؛ إذ لا يمكن التنبؤ المطلق بما سيكون عليه المستقبل، إلّا بضرب من الميتافيزيقا التي لا تقرها يقينيات العلم الطبيعي النسبيّة غالباً..
فحتى اليقين الناتج عن العلم الطبيعي في الفيزياء والكيماء والتكنلوجيا، هو نسبي غالباً، كونه يحتاج إلى الملاحظة الدؤوبة والمتابعة المستمرة والاستقراء الدائم؛ فجاذبيّة نيوتن يقين نسبي قياساً بجاذبيّة نسبية آينشتاين العامّة، على أنّ الأخيرة لم تستوعب كلّ ألغاز الجاذبيّة التي في الكون.. 
 
الحتميّة قائمة على إلغاء الإرادة الاجتماعية، وإغفال الاختيار الإنساني؛ إذ لا يمكن الشك أنّ التاريخ كان يمكن أن يكون على غير ما هو عليه لو كانت الاختيارات السياسية والاجتماعية والدينيّة على نحو آخر؛ بداهة أنّها ستنتج تاريخاً آخر غير تاريخ أسلافنا المطروح..

الديموتاريخ يرى أنّ خطأ مذاهب كلّ من الطائفتين أكثر من صوابه، لكن كيف ذلك، وما هو الديموتاريخ؟!!

مفهوم الديموتاريخ!!
الديموتاريخ بإيجاز هو: منهج دراسة ما عجزت عنه قوانين فلسفة التاريخ، وفلسفة العلم سواء، علاوة على ما لم تعجز عنه. وهو مصطلح مولّد، مختصر لكلمتين: الديمومة والتاريخ.
يعني: القوانين التي أبقت على التاريخ (المجتمع الإنساني) حياً مستمراً نابضاً، حتى مع افتقاره لأسباب البقاء.

بالتالي فكلّ ما هو ميت متلاش في التاريخ، لا يمكن أن يكون قانوناً نتنبأ من خلاله مستقبلاً ما..، استناداً إلى أنّ الدوام والبقاء والحياة والبناء، وكذلك التقدم والتطوّر إذا تنزها عن التسافل، أضحى حقيقية يقينيّة (حتى لو كانت نسبيّة) متمحضّة عن الاستقراء الحاصل لتاريخ البشريّة الذي يقرب من عشرة آلاف سنة، أبتداءً من الحضارة السومريّة إلى اليوم.. 

مدار الديموتاريخ لإمكانيّة التنبؤ بالمستقبل، ولو تنبؤاً ناقصاً: هو كل ما بقي حياً نابضاً دائماً مستمراً في التاريخ بلا موت.
فإنّ البقاء على قيد الحياة، سواء قلنا إنها حقيقة مطلقة أم نسبيّة، وسواء كنا فلاسفة تاريخ حتميين، أم فلاسفة علم لا حتميين، تبقى هي المتربعة على عرش الحقيقة في صراع الأفكار، وسجال المناهج، وخصام المذاهب..
شرقنا أم غربنا؛ فإنّ الخير والرحمة واحترام الإنسان، هو ما أبقى على التاريخ حياً، والمجتمع مرفوع الرأس شامخاً دائماً، والإنسان مستمراً..
وفي المقابل فإنّ الشر والقسوة وانتهاك حرمة الإنسان، هو ما يجعل التاريخ ميتاً، والمجتمع مطىء الرأس فاشلاً، والإنسان هالكاً ميتاً..

الديموتاريخ، يرى أنّ التاريخ الإنساني مجموع صراع بين الدوام والبقاء، بين الموت والحياة، وبين الاستمرار والانقطاع..
الحقيقة المتجليّة الوحيدة، وهي كبرى حقائق الديموتاريخ، أنّ استمرار الحياة والبقاء عين المجتمع والتاريخ؛ فهما توأمان شقيقان..
وأنّ الموت والانقطاع والتلاشي، مع المجتمع والتاريخ والإنسان، عدوان لدودان؛ حسبنا استذكار سريع لمقتل ثمانين مليون إنساناً في الحرب العالميّة الثانيّة، واغتصاب الحلفاء والروس، مليوني امرأة ألمانيّة في فتح برلين.

يرى الديموتاريخ أنّ التاريخ (أو المجتمع الإنساني ما شئت فعبّر) كان يمكن لحياته أن تكون أشرف وأفضل وأكمل وأتم وأرقى، لو لم يكن فيه هتلر ونيرون وكاليكولا وستالين وموسوليني..

يرى الديموتاريخ أنّ وجود هؤلاء ليس حتميّة تاريخيّة، وإنّما أضحوا كذلك بسبب حمق البشر، وقد كان البشر قادرين، بما عندهم من عقل ألا يكونوا حمقى يتصارعون على الفشل ويتذابحون على الخسارة، ويتفاخرون بذبح أحدهم للآخر، وبالتالي لأمكن أن يكون التاريخ غير ما كان عليه..

الطغاة والمفسدون والمجرمون في الديموتاريخ!!
نظرة سريعة في كتب التاريخ كفيلة بتعريفنا، أنّ الإمبراطوريّة الرومانية المستهترة بالإنسانيّة، يستحيل أن تبقى وتدوم، مع بلوغها أقصى مراتب الانتهاك، وأعلى درجات الوحشيّة والقسوة.
إمبراطوريّة نيرون على سبيل المثال، يستحيل أن تدوم لتبقى نابضة حيّة، مع نفسيّة نيرون المستهترة، التي أمرت بحرق روما سنة 64م ، لمجرد يتسلى في الليل بسبب أرق أصابه.
كاليكولا (41-12م) عُرف بجنونه وساديته الشديدة، كان يستمتع بتعذيب الناس وقتلهم لأته الأسباب، أذلّ كل قادته وجنرالاته إلى درجة ممارسة الجنس مع زوجاتهم أمامهم رغماً عن أنوفهم، بل ورد أنّه كان يسافح المحارم، وآخر بطولاته أنّه عين حصانه قنصلاً.
الديموتاريخ، سواء كان فلسفة تاريخ، أم فلسفة علم، يجزم جزماً قاطعاً أنّ هذه صورة سوداء في سجل التاريخ، لا يمكن إلّا أن تكون حقيقة لموت التاريخ والمجتمع والإنسان، وبالتالي انهيار الحضارة مهما بلغت أوجها في القوّة إلى غير رجعة..

الحقيقة التي لا يمكن إغفالها أنّ أغلب المجتمع الروماني، حتى مع كونه جاهلاً وثنياً ممعناً في الفساد، رفض هذا المستوى من الطغيان والإجرام والاستهتار، وهذل إن دلّ فإنّما يدلّ على أنّ الذي يبقى حياً ليس فايروس كاليكولا، وإنّما مناعة القطيع الروماني، وما تبقى من إنسانيّة ما ليس بالقليل من شعب الرومان، حتى لو كان ملوثاً بفايروس الجهل والانحلال والفساد..

ولطالما تساءل النّاس والمفكرون، فلاسفة تاريخ وغيرهم، عن أسباب سقوط الامبراطوريّة المغوليّة التي أسسها تيموجين (جنكيزخان) مع أنّها من أقوى إمبراطوريات الأرض ..
السبب لأنّها لم تبق للإنسان والمجتمع والتاريخ حرمة؛ فإنّ جنكيز، وهو مجرم قاس طاغية كاسر، قاد حملات عسكرية وحشية قتلت ملايين الأشخاص، في الصين وإيران والعراق وأوروبا الشرقية؛ ومن ذلك أنّه أمر بقتل جميع سكان مدينة نيسابور، البالغ عددهم يقرب من 1.7 مليون إنساناً، في معركة واحدة..

أخيراً وليس آخراً، الطاغية المجرم جوزيف ستالين (1953 م) مسؤول عن مقتل ما يقرب من 20 مليون إنساناً في الاتحاد السوفيتي خلال عمليات التطهير السياسي والمجاعة، ولقد أنشأ معسكرات العمل القسري (الكولاغ) مات بسببها الملايين جوعاً ومرضاً وتعذيباً.
تسبّب في مقتل 4 مليون إنساناً في أوكرانيا عام (1933م) بسبب غبائه الفاشل، وحمقه القائل، في إدارة الزراعة؛ أمّا إجرامه في تصفية معارضيه في محاكمات صورية وإعدامات جماعية، فأمرٌ لا يغطي شمسه الغربال.

الديموتاريخ في القرآن
أكبر حقائق الديموتاريخ أنّ الباقي حياً نابضاً في المجتمع والتاريخ، ما دار على احترام الإنسان التي يرتضيها كل البشر بلا استثناء، وكلّ ما عدا ذلك فهو كالطاعون المنتهك لأغلب ما هو جميل فيه، ليضحى بائساً ..
لكن مع كل ذلك لم يمت الإنسان ولا التاريخ ولا المجتمع، وإن أصيب بطاعون الطغيان وأيدز الفساد، وكورونا الترف، مخلفا وراءه انهيار كل حضارات البشر، مع أنّها كان يمكن أن تبقى حية نابضة دائمة مستمرة لو اختار الإنسان أن يكون إنساناً عادلاً (ديموتاريخياً)..
أقوى قوانين الديموتاريخ، أنّه يهلك كل ما يقف عائقاً أمام حرمة الإنسان والمجتمع والتاريخ، قال سبحانه: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (34) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا ...، وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا).

يطول بنا المقال لو سردنا طغيان البشر، ممّا هو كفيل بإماتة التاريخ والإنسان، وقد أوجز القرآن هذا في: (الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ، فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ، فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ، إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) ..
لكن هل مات التاريخ فعلاً، هل انقرض الإنسان فعلاً، هل تلاشى المجتمع فعلاً، هل تلاشت الحياة فعلاً ؟!!.
الحقيقة المطلقة إلى اليوم، أنّ كلّ شيء يدور مدار الطغيان ميت هالك زائل متلاش، بل هو ذكرى بائسة، يندى لها جبين البشريّة الشامخ، كما يشمئز منها ضمير الإنسانيّة الحيّ، ويقشعرّ منها بدن التاريخ الحزين في كلّ مراحله..

الديموتاريخ يتنبأ، كما تنبأ القرآن، بسقوط كلّ طغيان، وكلّ فساد، وكلّ فجور، ذات الوقت يتنبأ ببقاء الحياة واستمرار الضمير ودوام الخير، حتى مع جميع منغصاته المتمثلة بطاعون الطغيان وكورونا الفساد وإيدز الفجور.

مدينة بومبي الرومانية (Pompeii) مثالاً
واحدة من أشهر المدن الأثرية في العالم، تقع في جنوب إيطاليا بالقرب من نابولي. كانت بومبي مدينة رومانية مزدهرة، تأسست في القرن السادس قبل الميلاد من قبل الأوسكانيين، وهم سكان إيطاليا قبل مجيء الرومان، ولقد استولى عليها الرومان في القرن الرابع قبل الميلاد؛ كانت مركزًا تجاريًا وثقافيًا هامًا، وازدهرت كميناء ومركز زراعي اشتهرت بمبانيها الفخمة، مثل المسرح الكبير، المعابد، الساحات العامة، والحمامات العامة.
دمّرها ثوران بركان فيزوف (عام 79 م) ممّا أدى إلى دفنها تحت طبقات سميكة من الرماد والحمم البركانية، وحفظها بشكل استثنائي لعدة قرون، بعض أجساد أهل هذه المدينة متحجرة محفوظة إلى اليوم؛ فإنّ البركان هبّ عليهم ليلاً وهم نائمون، فلم ينج منهم (أو من أغلبهم) أحد..

لو تتبعنا أحوال هذه المدينة ذاك التاريخ، لوجدنا أنّها مدينة غنية جداً، وأهلها أهل ثراء ، بسبب الزراعة والأرض الخصبة، ناهيك عن موارد التجارة وضرائب الموانئ، ولوجدنا أيضاً أنّ كبراء أغنيائها، وعامة الشعب على منوالهم، تجازوا الحد في فاحشة الزنا واللواط والسحاق..


لكن لم يبق الديموتاريخ لهم باقية؛ لإطباقهم على تجاوز كلّ حدود المنطق الأخلاقي في انتهاك كل الحرمات الإنسانيّة..، وقد قلنا: إن أقوى قوانين الديموتاريخ قدرته العجيبة على إهلاك هذه الأمم ولو كانت الأقوى في امتلاك أسباب البقاء ..

إلى اليوم نجد في الاكتشافات الأثرية، اللوحات الجنسيّة المخلّة في كل بيت، بل قد تم اكتشاف بيوت دعارة رسمية في بومبي، وكان أشهرها اللوبنار (Lupanar) الذي كان يحتوي على غرف صغيرة مزينة بلوحات جدارية جنسي، يُعتقد أنها كانت بمثابة قائمة خدمات للعملاء.

الأدهى من ذلك أنّ الدعارة كانت تعدّ عملاً وطنياً، خاضعاً لقانون الدولة؛ بل يُعتبر نشاطًا اقتصاديًا مشروعًا يخضع للضرائب، ويظهر أنّ ما يطلق عليه تجارة الجنس في أزماننا مأخوذ عن ذاك التراث الحيواني..
ولو تساءلنا هل شعوب أوربا اليوم، وهي أكثر المجتمعات الإنسانيّة عرضة لفايروس الإباحيّة، وإيدز الجنس، وبكتيريا مرض الزهري..، ترتضي هذا الاستهتار؟!.

لا نتردد أنّ جل هذه المجتمعات لا ترتضي ذلك في الجملة، بل تعده معيباً، ولا ننسى أنّ أمريكا التي هي بلد الإباحيّة، وأفلام الإباحة، حاكمت الرئيس بيل كلنتون بشدّة، لمجرد تهمة أن له علاقة بموظفته..

معلوم أنّ أغلب بلدان أمريكا وأوربا، لا توظف المشبوه بالسحاق أو اللواط في بعض دوائر الدولة الحكومية والأهلية؛ إذ أول شروطها أن تكون صفحة الأخلاق بيضاء ..
هذا جانب ممّا نعنيه بالديموتاريخ، إنّه القانون الذي ما زال حياً حتى لو حاربته كل امبراطوريات الأرض، بل لا يمكن توقع زواله ما دامت الإنسانيّة، بل حتى لو تلوثت الإنسانيّة بفايروس إمبراطورية نيرون وكالكولا وهتلر وستالين وجنكيزخان..
الديمو تاريخ يرى أن كل أشباه البشر هؤلاء موتى، أحسن ما فيهم أنهم ذكرى بائسة، سعلتها الإنسانيّة كما سعلت مخاط إنفلاونزا الكورونا؛ فبقي الإنسان وتلاشى المخاط حتى مع هلاك كثير من البشر؛ فإنّه يكفي ما تبقى من البشر ليبقى التاريخ والإنسانيّة حيين دائمين..   
قال القرآن العظيم: (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ، فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ) (الأعراف: 4) ..
ليس الاستشهاد بالآية أعلاه، استدلالاً ميتافيزيقياً (ما ورائي) لقرائة مستقبل التاريخ والإنسان، بداهة أنّ اندثار (موت ، تلاشي) امبراطوريات الطغيان، وكيانات الفساد، حقيقة لا يمكن المساس بحرمة يقينها المطلق، حت مع افتراض نسبيتها ..
نظير قانون نيوتن في الجاذبيّة في الكتل الكبيرة في الأبعاد الثلاثة، ونظير جاذبيّة آينشتان في الأبعاد الأربعة، كلاهما حقيقة تامّة في حدها، سواء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل، وإن كانت الثانية أشمل من الأولى، وألصق بالاطلاق ..

كذلك الكلام في موت الإمبراطوريات خلال عشرة آلاف سنة (أو أكثر) من عمر الحضارة الإنسانيّة، أو تاريخ الامبراطوريات البشريّة ..
هذا التاريخ لم يبق شكاً، أنّ كلّ ما من شأنه انتهاك حرمة الإنسان والإنسانيّة والضمير، مآله الموت والتلاش، وهو في أحسن تقاديره مخاط، يسعله التاريخ في أي لحظة. 

معجزة الديموتاريخ ودليله القاطع، الحسين عليه السلام نموذجاً!!
عجز المنطق الأرسطي والديكارتي والديالكتيكي والوضعي، وكل فلسفة التاريخ، وكلّ ما جاءت به العلوم، أن تفسر بشكل يقيني بقاء الحسين عليه السلام حيّاً نابضاً متنامياً في أمّة إلى اليوم، هذه الأمّة التي هي مادياً أضعف أمم الأرض على الأطلاق، لكنها ذات الوقت أقوى أمّة عرفها التاريخ بلا أي سبب مادي معروف..

اليهود عبر التاريخ، هم أغنى أهل الأرض، بل قد ملكوا الناس وكانت لهم ممالك عظيمة في بعض مقاطع التاريخ، لكن أبسط مقارنة مع الحسين، يطأطىء المنطق رأسه، ويقر بالفشل والعجز عن إبداء أي مقارنة ..

الحسين صلوات الله عليه، سنة 60 للهجرة، أُجبر على القتال يوم عاشوراء، ولم يكن يريد القتال، وإنما قاتل دفاعاً عن شرف الإنسانيّة، وحياة الضمير، وكرامة الإنسان..

الملاحظ أنّ الحسين عليه السلام، حسب طرائق التفكير أعلاه، خسر في هذه الحرب كلّ شيء، حتى قطعوا رأسه ورؤوس أصحابه، وسرقوا أمواله، وأسروا بيت أهله، وهم أشرف العرب بل قاطبة البشريّة، بل -بعد ذلك التاريخ- توالت الإمبراطوريات على سبه ولعنه في كل مناسبة رسمية .. 

لكن إذا كان الحسين عليه السلام قد خسر ومن معه كلّ أسباب البقاء المادي، فكيف نفسّر إذن تناميه في أمّة نابضة حيّة متنامية، مرعبة في السجال عن ضمير الإنسانيّة، مخيفة في الكفاح عن حرمة البشريّة، مع أنّها لا تمتلك من أسباب البقاء أي شيء، كيف بقيت هذه الأمّة حية نابضة متنامية في صراعها مع كل عالم الطغيان، بلا أي سلاح إلى اليوم ؟!.

عجز منطق أرسطو عن بيان هذا، وكذلك منطق ديكارت والديالكتيك ومنطق كونت الوضعي..؛ عجزت كل مذاهب فلسفة التاريخ، وكل مذاهب العلم الوضعي عن تفسير هذه الظاهرة، بل الحقيقة التي أقل ما يقال في شرغها أنّها لا يمكن الشك فيها ..

مقارنة بسيطة بين أمّة اليهود التي تجاوز عمرها آلاف السنين، مع ما عندها من إمكانيات مادية مهولة لأسباب البقاء، وبين أمة الحسين التي لا تمتلك من أسباب البقاء (المادي) شيئاً..، إنّه الديموتاريخ .

وقد تقول: أمّة عيسى النصرانيّة هكذا، فلا يقصر الأمر على الحسين عليه السلام.
قلنا: هذه مصادرة يسخر منها الديموتاريخ ولا يعبأ بها؛ فليس من منهجه الوقوف على أمة تنامت بالسيف والقتل والسلطة والمادة؛ لأنّه يجزم أنها ستموت وتنهار ولو بعد حين، إلى نرى أنّ كلّ نمو حصل للأمّة الإسلامية بقوة السيف في الماضي تلاشى اليوم، بخلافه نموه الديموتاريخي الإنساني (=القرآني).

وما لا يخفى فإنّ النصرانيّة المطروحة اليوم، انتشرت في مبدأ أمرها بالسيف والقوة والسلطة والمال، وأمر الامبراطور قسطنطين الكبير (سنة 325م) في نيقيا الاسكندريّة، فأجبر الناس على القول بالحلول والصليب والأقانيم الثلاثة ..

مع إقرار الديموتاريخ التام بأن عيسى حقيقة ديموتاريخيّة فوق الزمان والمكان، شرط تنزيهه عن التشويه الحاصل لحقيقته بسبب السلطة والمال وسطوة السيف؛ فعيسى مع هذه الأمور مشوه ليس عيسى الديموتاريخي، وإنّما التاريخي المشوه.   
وكذا الكلام، في كل الدول التي قامت على اسم الإسلام والقرآن والعترة، بقوة السيف والمال واستغلال الدين، الشيعيّة منها والسنيّة، حقاً كانت أم باطلاً، كلها متلاشية ميتة، كلها ذكرى بائسة .. 
الديموتاريخ يرى أنّ الانتشار والتنامي والبقاء بالسيف والقوة والسلطة والمال مآله إلى زوال، لا يمكن أن تكتب له الحياة الأبديّة ولا البقاء السرمدي، باستثناء ما لزمت الضرورة أن يكون دفاعاً ..
كما دافع النبي محمد صلى الله عليه وآله في حروبه، والحسين عليه السلام بالسيف في كربلاء ، إذ قد كان دفاعاً ديموتاريخياً عن شرف الدين والفطرة الإنسانيّة، و من ذلك حروب أمير المؤمنين عليه السلام في صفين والنهروان والجمل.

ومن أجلى مصاديق الحرب الديموتاريخيّة (الدفاعيّة) على منوال حرب النبي وعلي والحسين عليهم السلام، هي فتوى الناطقة بوجوب التصدي لداعش المدعوم من قبل كل أهل الطغيان؛ ضرورة حصول القطع واليقين أنّ مع ترك التصدي لهم ستنتهك كل حرمات الإنسان والدين والفطرة والقرآن ..

ومع أنّ أصل من تصدى لداعش من الشيعة، ليس عندهم من أسباب القوة والسطوة أي شيء يذكر قياساً بهم وبالاستكبار الذي يدعمهم، إلّا الديموتاريخ حسم الموقف؛ إذ البقاء لمن يجب له البقاء ولو لم يملك من أسبابه المادية شيئا يذكر..

بمثل هذه الحرب يبقى التشيع نابضاً حياً دائما متنامياً في أمّة لا تقهر، بل لا يمكن -على المدى البعيد- أن تقهر؛ إذ كيف تقهر وقد انحصرت بها أسباب بقاء التاريخ وضمير الإنسانيّة؟!.

أمّة الحسين ، وليدة محمد وعلي والحسين عليهم السلام والقرآن ، حياتها مستمرة في التاريخ، حتى لو افتقرت للسلطة والمال والدولة والسلاح، بل حتى لو لم يكن عندها من أسباب البقاء شيئاً، يكفيها أنّها ترجمان حيّ لحياة الإنسانيّة وضمير البشريّة.
(يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) 
(انظر كتابنا : ديموتاريخ الرسول المصطفى والحسين عليهما السلام) 



جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م