
| أحكام مجتمعية | لا مال ولا شفاعة ولا نفوذ: العدالة في الميزان القرآني
2026-01-12 82

لا مال ولا شفاعة ولا نفوذ: العدالة في الميزان القرآني
الشيخ مصطفى الهجري
يُعدّ انتشار نفوذ المال والوساطات
والقوة داخل أي مجتمع مؤشراً واضحاً على هشاشة سيادة القانون فيه؛
إذ إن ضعف الحاكمية القانونية يجعله غير قادر على إخضاع أصحاب
النفوذ والقدرة لسلطانه، فلا يطال حكمه إلا الفئات الأضعف، بينما
يفلت الأقوياء من المساءلة. وبهذا يتحول القانون إلى أداة انتقائية،
أشبه بمصيدة لا تلتقط إلا صغار المجرمين، في حين تعجز عن الاقتراب
ممن يمتلكون وسائل التأثير والضغط.
هذا النموذج من العدالة المختلّة
يرفضه القرآن الكريم رفضاً قاطعاً، ويؤسس في المقابل لمفهوم حاكمية
إلهية صارمة لا تسمح بتسلل تلك العوامل الثلاثة إلى ساحة الحكم.
فمحكمة العدل الإلهي منزّهة عن أن يؤثر فيها مال أو شفاعة أو قوة،
وهو ما تقرره بوضوح الآية (٤٨) من سورة البقرة: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً
لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها
شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ
يُنْصَرُونَ﴾.
فالآية تسدّ جميع المنافذ التي
اعتاد الإنسان النفاذ منها لتعطيل العدالة؛ فهي تنفي أولاً أثر
المال، الذي عبّرت عنه بلفظ (العدل)، سواء أُخذ من العدول لما يسببه
المال من انحراف عن الحق، أو من العدل بمعنى الفداء والمعوض. كما
تُسقط الآية دور الوساطات المشار إليها بالشفاعة، وتُلغي في الوقت
نفسه فاعلية القوة والنفوذ المعبَّر عنهما بالنصرة.
وبذلك يتبيّن أن نظام الجزاء في
الآخرة مباين تماماً للأنظمة البشرية، التي قد ينجو فيها الإنسان
عبر الرشوة أو العلاقات أو العصبيات. أما في المنظور الإلهي،
فالقانون نافذ على الجميع دون استثناء.
وقد تجلّت هذه الصرامة في تطبيق
العدالة بوضوح في صدر الإسلام، حيث بلغت حاكمية القانون مستوى لم
يستثنِ حتى أقرب الناس إلى السلطة. ويُروى أن أمير المؤمنين الإمام
علي عليه السلام لما علم أن إحدى بناته استعارت عقداً من بيت مال
المسلمين لتتزين به يوم العيد، واجهها بحزم قائلاً: «... ثم أولى
لابنتي لو كانت أخذت العقد على غير عارية مضمونة مردودة لكانت إذن
أول هاشمية قطعت يدها في سرقة» ⁽ ⁾.
وفي السياق نفسه، كتب عليه السلام
إلى ابن عمه عبد الله بن عباس لما بلغه ارتكابه مخالفة، فوبّخه بشدة
قائلاً: «... فاتق الله واردد إلى هؤلاء القوم أموالهم، فإنك إن لم
تفعل، ثم أمكنني الله منك لأعذرن إلى الله فيك ولأضربنك بسيفي الذي
ما ضربت به أحداً إلا دخل النار» .
ثم أكّد مبدأ المساواة المطلقة
أمام العدالة بقوله: «والله لو أن الحسن والحسين فعلا مثل الذي
فعلت، ما كانت لهما عندي هوادة ولا ظفرا مني بإرادة حتى آخذ الحق
منهما...» ⁽ ⁾.
ولا غرابة في ذلك؛ فالمشهد هو مشهد
صدر الإسلام، والمنفذ هو أمير المؤمنين عليه السلام. ومن أراد أن
يقف على حقيقة حاكمية القيم الدينية آنذاك، فليتأمل في هوية أولئك
الذين طالتهم عصا العدالة التي أرساها رسول الله صلى الله عليه
وآله، دون أن تميّز بين قريب وبعيد أو قوي وضعيف.
الأكثر قراءة
38493
20075


