7 ربيع الاول 1447 هـ   31 آب 2025 مـ 2:25 مساءً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | أخلاقيات الإسلام |  لماذا يُستنكر التواضع حين يرتبط بالحسين؟
2025-08-06   812

لماذا يُستنكر التواضع حين يرتبط بالحسين؟


الشيخ مصطفى الهجري
قبل أيام أثار مشهد مصور لأطفال يغسلون أقدام زائري الحسين عليه السلام الجدل في وسائل التواصل الاجتماعي فقد يرى البعض في ذلك تربية على الذل، خصوصاً إذا كان الزائر من دولة أخرى!
أحياناً التمس العذر لهؤلاء، فبعدهم عن أجواء الحياة الروحية قد يبرر جهلهم بدوافع الأفعال، وقد تكون مواقفهم السياسية او الآيدلوجية من بعض الدول سبباً لرفضهم.

أما أصحاب القلوب فهم يعرفون قيمة الممارسات التي تنتج تواضعاً ورقة، فغسل الأقدام شعيرة معروفة في المسيحية وطقس يقيمه البابا بنفسه كل عام فيما يعرف بـ"خميس العهد" بغسل أقدام أشخاص من فئات مهمشة منهم السجناء، تأسياً بما فعله النبي عيسى عليه السلام بغسل أقدام تلاميذه، كما ذكره الكتاب المقدس: «قام عن العشاء وخلع ثيابه، وأخذ منشفة واتزر بها. ثم صب ماء في مغسل، وابتدأ يغسل أرجل التلاميذ ويمسحها بالمنشفة». يوحنا 13: 4.

لا يجوز أن يختزل ما يقوم به المعزون من خدمة لزوار سيد الشهداء عليه السلام بهذه التفسيرات الباردة، بل اللازم أن يُنظر لمثلها على أنها رغبة وتفاني في تقديم الخدمة لمن أحبوه، وصور ناصعة لمعاني التضحية التي لا يرجون من ورائها إلا رضا خالقهم، وإن لم تدرك مغزاها العقول. ونعم ما قال العلامة الطباطبائي في تفسيره القيم الميزان: «أن قوانين العشق لا تخضع لحكم العقول».
بل اللازم أن يُنظر اليها كتضحية يقدمها المؤمن فيزداد استعداده لتقديم المزيد؛ فبمقدار ما يتعمق إيماننا بالله سبحانه وتعالى والآخرة، فإننا ندرك أن أي شيء نقدّمه بين يدي الله عزّ وجلّ، سننال مقابلا له في هذه الدنيا، أو في الآخرة أو في كليهما. وبمقدار ما يتعزّز هذا الإيمان، يزداد استعدادنا للتضحية.
ولكي يكون مجتمعنا مجتمع تضحية عليه أن يتربّى على هذا الإيمان وعلى معاني كربلاء. ولكي ينجح في هذه التربية، يجب أن يبدأ بدروس التضحية من المواقف الصغيرة ومن الاختبارات العادية، وصولا إلى الاختبارات الكبيرة، حتى إذا مُحّص بالبلاء لا يقلّ الديانون، وإنما على العكس يكثر الديانون.

قد يكون الأشخاص الذين خذلوا الحق ولم ينصروا الباطل، أقل سوءًا من هؤلاء الذين نصروا الباطل، ولكن اللوم يقع عليهم، لأنهم لم ينصروا الحق. هؤلاء ربما لديهم محذور يمنعهم من نصرة الباطل، لكن في المقابل لم يكن لديهم الاستعداد للتضحية وللتخلي عن دنيا هنا، أو دنيا هناك، من أجل أن ينصروا الحق ويتّبعوه ومن أجل أن يقفوا إلى جانب مدرسة الأنبياء ومدرسة الرسل. هذه الشريحة من الناس مستعدة للسير في خط الحق وطريقه لكن دون عناء أو بذل أو تضحية. وإذا ما تطلب الأمر منها أن تضحي بشيء من الدنيا من مال أو نفس أو ولد، فإنّها تكفّ عن السير في طريق الحق خوفا على دنياها وهذا ما حصل في كربلاء.

فمثلا التاجر الذي لا يضحي بشيء من الربح، وخصوصا في الزمن الصعب على الناس فهو يفارق الإمام الحسين وقيمه، ومن ليس مستعدا أن يضحي بربح دنيوي من أجل أن ينصر قيم الحسين ورسالة الحسين ، فكيف سيتعاطى مع موقف يتطلب منه أن يضحي بنفسه أو عياله أو غير ذلك؟ بالتأكيد لن ينجح الذي يفشل في المواقف الأقل صعوبة، كيف سينجح في المواقف الأصعب؟

لذلك، علينا أن نوسّع مفهوم التضحية كما وسعنا مفهوم رسالة الحسين ، لتكون كل مواقفنا وحياتنا وقضايانا في أبعادها المختلفة تربويا واجتماعيًا وثقافيًا واقتصاديًا وماليًا وإداريًا قائمةً على أساس من معاني التضحية تلك، لتستمد منها الموقف والفعل والهداية.






جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م