

| دراسات | ذكر الله، شعارٌ وتراث وهويّة
2024-12-25 890

ذكر الله، شعارٌ وتراث وهويّة
باسم
الحلي
الأديان بمختلف شرائعها ومذاهبها تُجمع في صيغها الدينية على أنّ ذكر الله سبحانه وتعالى والدعاء إليه هما السبيل إلى نيل القرب الإلهي والمغفرة ورضوانه وجنانه. ويشهد بذلك قول الله في كتابه الكريم: (مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ) وقال: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا)..
لا يساور المؤمنين شك في هذا التشريع الإلهي الجليل، إذ يُعدُّ قانونًا عامًا معلومًا بالضرورة بين جميع أهل الأديان دون استثناء؛ فهم يوقنون بأنّ ذكر الله محبوبٌ عنده. لكن إذا تأملنا السؤال العميق: ما الحكمة الإلهية من تشريع الذكر؟ ولماذا كل هذا التأكيد عليه في النصوص السماوية؟
بإيجاز شديد، الذكر هو شعار وتراث وهوية، يحمل في طياته قوة قادرة على هز عروش الإمبراطوريات التي تستخف بكرامة الإنسان، وهو أقل ما يمكن أن يُقال عن آثاره التكوينية في هذه الحياة، ناهيك عن كونه سببًا لجلب الخير في الدنيا والآخرة.
وقد يقال: الذكر مجرد لقلقة لسان، ما دخله بالتراث والهويّة؟!!
نقول: الذكر، وإن بدا عند البعض مجرد كلمات عابرة أو تكرارًا خاليًا من الروح، فإن تاريخه يثبت خلاف ذلك. ألم تكن الإمبراطورية الرومانية الوثنية تصلب كل من ينطق بوحدانية الله أو يتلو الإنجيل؟ ألم يكن مشركو قريش يعذبون ويقتلون من يتلو القرآن أو ينطق بـ"الله واحد أحد"؟
لماذا كل هذا العداء؟ لأن الذكر، وإن بدا بسيطًا، يحمل في جوهره قوة تراثية وهوية ثورية تهدد الظلم والاستبداد، وتدعو إلى التحرر والكرامة الإنسانية.
ضمن مشروع الفرنسة، عانى أهل المغرب العربي أشد أنواع العقاب إذا نطقوا بالعربية، في محاولة لفرض اللغة الفرنسية بديلًا عن اللغة العربية في التعليم والثقافة، واستئصالها من وجدان المجتمع. لكن ما الذي دفع الفرنسيين لهذا الإصرار، وما الغاية وراء هذا المشروع؟ ولماذا قابل أهل المغرب العربي هذا المشروع بالمقاومة الشرسة، وبذلوا في سبيل صدّه أرواحهم ودماءهم؟
مشروع الفرنسة لم يكن مجرد تغيير لغوي، بل كان هجومًا على الهوية والثقافة والشرف الوطني. فقد أدرك الاستعمار الفرنسي أن إخضاع شعوب المغرب العربي واستعمارهم بالكامل لن يتحقق إلا بمحو لغتهم، لغة القرآن، والتي تمثل جوهر هويتهم وأشرف تراثهم. كانت اللغة العربية بالنسبة للمغاربة، وللمسلمين عامة، رمزًا للحضارة والدين والانتماء. لذا، كانت محاولة استبدالها بالفرنسية ضربًا في صميم هويتهم، وسعيًا لتغريبهم عن جذورهم.
الفرنسيون كانوا يدركون قيمة هذا التراث؛ فالغرب الذي يسعى لتغييب هويات الأمم عبر الاستعمار والهيمنة، لم يكن يتردد في إنفاق الملايين للحصول على مخطوطة عربية أو إسلامية أو آسيوية. لماذا؟ لأن السيطرة على التراث الإنساني هي جزء من مشروع أكبر لاغتصاب الهوية الحضارية، وتقديم أنفسهم كقادة مطلقين للحضارة الإنسانية.
وفي المقابل، لم يكن غريبًا أن يرفض أهل المغرب العربي هذا المشروع بكل جوارحهم. اللغة بالنسبة لهم لم تكن مجرد وسيلة تواصل، بل كانت رمزًا للاستقلالية والكرامة والإرث المقدس. وكما أن الأحزاب والمنظمات حول العالم تتبنى شعاراتها وكفاحها، كانت اللغة العربية بالنسبة لشعوب المغرب العربي هي شعار هويتهم، وعلامة نضالهم التي لا يمكن التفريط بها.
الأمر أعمق من مجرد ترديد كلمات أو ألفاظ خاوية؛ فـ"الذكر" أو "الشعار"، كما تسميه الأديان، ليس مجرد لقلقة لسان أو تكرار بلا معنى، بل هو تجسيد لتراث عريق، ولولاه لما كانت هناك هوية تُميّز الشعوب وتُعرِّفها.
إنها الهوية ذاتها التي استُشهد من أجلها مليون شهيد في الجزائر، والتي دفع آلاف المسيحيين حياتهم ثمناً لها في مواجهة وثنية الرومان، والتي بسببها أراد النمرود إحراق أبينا إبراهيم عليه السلام، والتي جعلت مشركي مكة يخططون لاغتيال النبي صلى الله عليه واله، رغم أنهم شهدوا له بالصدق والأمانة. وهي ذات الهوية التي جعلت المتوكل العباسي يفرض أقسى العقوبات على زوار الإمام الحسين عليه السلام.
عبر التاريخ، أيقنت إمبراطوريات الاستبداد والاستكبار أن محاربة دين، أو سرقة تراث، أو تشويه أخلاق، أو تحريف قيم، أو تلويث الفطرة الإنسانية، لا يمكن أن يتحقق إلا بضرب الهوية التي تحمي هذه القيم. وهذا لا يكون إلا بتغييب التراث، أو التلاعب به، أو تحريفه، أو تشويهه، أو طمس معالمه.
إن الهوية ليست مجرد إرث ماضٍ يُستعاد في لحظات الحنين، بل هي صمام أمان للحاضر وبوصلة المستقبل. إنها الجوهر الذي يحدد ملامح الأمم ويحصّنها من الذوبان أو الاستلاب. لذلك، كانت معركة الحفاظ على الهوية محور الصراع الدائم بين قوى الاستبداد الساعية للهيمنة، وبين أصحاب القيم والمبادئ المتشبثين بأصالتهم.
في الجزائر، كان مشروع الفرنسة يهدف إلى محو الهوية العربية والإسلامية، بمنع أهلها من نطق لغتهم، وإجبارهم على استبدالها. وفي الهند والعراق، سعت مشاريع "البرنطة" إلى تغريب الشعوب وإلغاء تراثهم. وفي ليبيا، ظهر مشروع "الأيطلة"، واليوم نشهد في بعض دول الخليج محاولات "الأمركة"، وفي سياق آخر "الأنمطة" و"الطبعنة" الإسرائيلية التي تحاول مسخ هوية بعض الشعوب الغافلة، غير مدركة أن فقدان الهوية يعني اقتراب لحظة الزوال.
لكن الشعوب الحرة وقفت سدًا منيعًا أمام تلك المشاريع. شهداء الجزائر أفشلوا مشروع الفرنسة بدمائهم التي روت تراب الوطن، دماء ترنمت بأهازيج الفطرة وشعارات الكرامة والإباء. وفي الهند، كان رداء غاندي الأبيض المصنوع من القطن المحلي رمزًا بسيطًا ولكنه موجز لتراث حضارة عظيمة، تمكن بفضله من إفشال مشروع البرنطة بلا سلاح. وفي العراق، كانت أهازيج ثورة العشرين عنوانًا لتراث وادي الرافدين، أفشلت مشروع البرنطة هناك، كيف لا وهي عصارة حضارة مستمدة من أعظم القيم السماوية.
التاريخ يذكر بفخر أن كلمة بلال الحبشي (أحدٌ أحدٌ، الله أحد) لم تكن مجرد ترديد بلا معنى، بل رمزًا للثبات والإيمان. هذه الكلمة البسيطة كانت كفيلة بزعزعة أركان الشرك في مكة، وإلهام كثير من عبيدها بالإيمان. إنها إذن ليست مجرد كلمات عابرة، بل هوية قادرة على قلب الموازين، وإحياء النفوس، وبناء الأمم.
الغرض الإلهي من الذكر!!
يتضح من هذا السياق أن غرض الله سبحانه من تشريع الذكر واستحبابه، لا يقتصر فقط على تحقيق القرب منه والانقطاع إليه، وهو غاية سامية وحق لا شك فيه، بل يمتد ليشمل غايات أعمق وأكثر تأثيرًا. فهو منظومة دفاعية ثقيلة تهدف لمواجهة أعتى الإمبراطوريات التي تسعى لاستعباد الإنسان وامتهان كرامته والاستخفاف بفطرته. هذه الغايات تتلخص في ثلاثة محاور رئيسة:
الأول: الشعار
الشعار هو الحد الأدنى الذي يبدأ به الدين، وأبسط مثال عليه الشهادتان: (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله). وهذا الشعار، رغم بساطته الظاهرية، هو نواة لكل منظومة إيمانية ترتبط بشعائر الله وتعظيمها، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ) (المائدة: 2).
ولكن، لا قيمة للشعار إذا لم يستند إلى تراث واقعي غني، كما أشار القرآن: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) (الحجرات: 14). الشعار بدون تراث حقيقي يصبح أجوفًا بلا جذور.
الثاني: التراث
التراث هو العمق الروحي والمعنوي للشعار، وهو الإيمان القلبي بالله ورسوله والقرآن، وتعظيم المقدسات مثل مكة، الكعبة، المدينة، ومسجد النبي، إلى جانب مودة النبي وأهل بيته الأطهار. هذا التراث يشمل أيضًا القيم الفطرية المهذبة بما جاء به الأنبياء والمصلحون.
وقد أكد القرآن هذا المعنى في قوله تعالى: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج: 32)، حيث يرتبط تعظيم الشعائر بالمنافع المادية والمعنوية، وهو جزء لا يتجزأ من تقوى القلوب ووجدانها. التراث إذن ليس مجرد ماضٍ يُروى، بل هو إطار حيٌّ يحدد أفق الأمة ووجهتها.
الثالث: الهوية
الهوية هي الغاية الكبرى لهذه المنظومة. إنها الحصن الذي يحمي الإنسان من الاستلاب الثقافي والهيمنة الفكرية. وتاريخيًا، كلما حاولت قوى الهيمنة الاستكبارية أن تُخضع أمة ما، بدأت بمحاولة طمس هويتها.
لنأخذ مثال الثورة الفرنسية التي رفعت شعارات الحرية، لكنها منعت المسلمات من ارتداء الحجاب. لماذا؟ لأن الحجاب ليس مجرد زي، بل هو شعار لتراث غني يمثل هوية الأمة الإسلامية. الحجاب في هذا السياق، كان ولا يزال رمزًا للمقاومة، تمامًا كما أفشل الجزائريون مشروع الفرنسة بدمائهم، وكما هزأ العراقيون بمشروع البرنطة، وكما قاومت ليبيا الأيطلة، وفضحت كثير من الدول العربية والإسلامية مشروع الصهينة والتطبيع.
الخلاصة:
تشريع الذكر في الإسلام ليس غاية فردية تنتهي عند العبادة الشخصية، بل هو مشروع متكامل لبناء منظومة شعائرية، تراثية، وهُويّاتية تحمي الإنسان من الاستعباد الثقافي والتبعية. الشعار، التراث، والهوية هي الأسلحة التي تضمن للأمم صمودها أمام محاولات الطمس، وتبقيها حرةً أصيلةً متمسكةً بفطرتها الإنسانية السليمة.
إن الانتصار الذي حققه الحسين عليه السلام على يزيد، وعيسى عليه السلام على الرومان، وإبراهيم عليه السلام على النمرود، وموسى عليه السلام على فرعون، وعلي عليه السلام على معاوية، وغاندي على الإنجليز، لم يكن بسلاح القوة المادية، بل بسلاح الهوية والإيمان والشعار المستمد من تراثٍ راسخ لا ينكسر.
زينب الكبرى، صلوات الله عليها، لخصت هذا المبدأ الخالد في قولها لأعتى الطغاة: (فكد كيدك، واسعَ سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا تدرك أمدنا). هذه الكلمات لم تكن مجرد تحدٍّ، بل كانت شعارًا خالدًا، نبت في تربة تراث عظيم وهوية مشرقة كالشمس، استطاعت أن تمحو ظلام إمبراطورية الأمويين، وتجعلها عبرة للتاريخ.
ذلك التراث لم يتوقف عند الأمويين، بل استمر ليُسقط كل إمبراطوريات الفساد والطغيان التي جاءت بعدها. في حين بقي ذكر الله سبحانه شامخًا في شخصية الحسين، وفي فطرة أصحاب الحسين، ليكون رمزًا حيًا لكل ما يحفظ حرمة الإنسان وكرامة الفطرة، ويُظهر أن الظلم مهما تعاظم، فإن مصيره الزوال.
إنه ليس مجرد ذكر، بل هو شعارٌ يحمل روح الوحي، وتراثٌ يجسد عمق السماء، وهويةٌ تربط الإنسان بفطرته وكرامته. إنه شعار محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين. إنه الوحي الممتد، والتراث الذي يعلو على الزمن، والهوية التي تحفظ معنى الإنسانية وكرامتها إلى يوم القيامة.
النتيجة:
الله سبحانه وتعالى حين يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا، وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) (الأحزاب: 41-42)، لا يقتصر غرضه على تحقيق سعادة الآخرة فقط، بل يتجاوز ذلك إلى بناء شخصية مسلمة تحمل شعار الذكر، وتراث محمد والقرآن، وسلاح الهوية الذي يجعلها قادرة على الصمود والثبات أمام أعظم قوى الاستكبار عبر التاريخ، من فرنسة الأمس إلى أمركة وصهينة اليوم، حتى لو لم تكن تملك سوى الكلمة والمبدأ.
الأديان بمختلف شرائعها ومذاهبها تُجمع في صيغها الدينية على أنّ ذكر الله سبحانه وتعالى والدعاء إليه هما السبيل إلى نيل القرب الإلهي والمغفرة ورضوانه وجنانه. ويشهد بذلك قول الله في كتابه الكريم: (مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ) وقال: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا)..
لا يساور المؤمنين شك في هذا التشريع الإلهي الجليل، إذ يُعدُّ قانونًا عامًا معلومًا بالضرورة بين جميع أهل الأديان دون استثناء؛ فهم يوقنون بأنّ ذكر الله محبوبٌ عنده. لكن إذا تأملنا السؤال العميق: ما الحكمة الإلهية من تشريع الذكر؟ ولماذا كل هذا التأكيد عليه في النصوص السماوية؟
بإيجاز شديد، الذكر هو شعار وتراث وهوية، يحمل في طياته قوة قادرة على هز عروش الإمبراطوريات التي تستخف بكرامة الإنسان، وهو أقل ما يمكن أن يُقال عن آثاره التكوينية في هذه الحياة، ناهيك عن كونه سببًا لجلب الخير في الدنيا والآخرة.
وقد يقال: الذكر مجرد لقلقة لسان، ما دخله بالتراث والهويّة؟!!
نقول: الذكر، وإن بدا عند البعض مجرد كلمات عابرة أو تكرارًا خاليًا من الروح، فإن تاريخه يثبت خلاف ذلك. ألم تكن الإمبراطورية الرومانية الوثنية تصلب كل من ينطق بوحدانية الله أو يتلو الإنجيل؟ ألم يكن مشركو قريش يعذبون ويقتلون من يتلو القرآن أو ينطق بـ"الله واحد أحد"؟
لماذا كل هذا العداء؟ لأن الذكر، وإن بدا بسيطًا، يحمل في جوهره قوة تراثية وهوية ثورية تهدد الظلم والاستبداد، وتدعو إلى التحرر والكرامة الإنسانية.
ضمن مشروع الفرنسة، عانى أهل المغرب العربي أشد أنواع العقاب إذا نطقوا بالعربية، في محاولة لفرض اللغة الفرنسية بديلًا عن اللغة العربية في التعليم والثقافة، واستئصالها من وجدان المجتمع. لكن ما الذي دفع الفرنسيين لهذا الإصرار، وما الغاية وراء هذا المشروع؟ ولماذا قابل أهل المغرب العربي هذا المشروع بالمقاومة الشرسة، وبذلوا في سبيل صدّه أرواحهم ودماءهم؟
مشروع الفرنسة لم يكن مجرد تغيير لغوي، بل كان هجومًا على الهوية والثقافة والشرف الوطني. فقد أدرك الاستعمار الفرنسي أن إخضاع شعوب المغرب العربي واستعمارهم بالكامل لن يتحقق إلا بمحو لغتهم، لغة القرآن، والتي تمثل جوهر هويتهم وأشرف تراثهم. كانت اللغة العربية بالنسبة للمغاربة، وللمسلمين عامة، رمزًا للحضارة والدين والانتماء. لذا، كانت محاولة استبدالها بالفرنسية ضربًا في صميم هويتهم، وسعيًا لتغريبهم عن جذورهم.
الفرنسيون كانوا يدركون قيمة هذا التراث؛ فالغرب الذي يسعى لتغييب هويات الأمم عبر الاستعمار والهيمنة، لم يكن يتردد في إنفاق الملايين للحصول على مخطوطة عربية أو إسلامية أو آسيوية. لماذا؟ لأن السيطرة على التراث الإنساني هي جزء من مشروع أكبر لاغتصاب الهوية الحضارية، وتقديم أنفسهم كقادة مطلقين للحضارة الإنسانية.
وفي المقابل، لم يكن غريبًا أن يرفض أهل المغرب العربي هذا المشروع بكل جوارحهم. اللغة بالنسبة لهم لم تكن مجرد وسيلة تواصل، بل كانت رمزًا للاستقلالية والكرامة والإرث المقدس. وكما أن الأحزاب والمنظمات حول العالم تتبنى شعاراتها وكفاحها، كانت اللغة العربية بالنسبة لشعوب المغرب العربي هي شعار هويتهم، وعلامة نضالهم التي لا يمكن التفريط بها.
الأمر أعمق من مجرد ترديد كلمات أو ألفاظ خاوية؛ فـ"الذكر" أو "الشعار"، كما تسميه الأديان، ليس مجرد لقلقة لسان أو تكرار بلا معنى، بل هو تجسيد لتراث عريق، ولولاه لما كانت هناك هوية تُميّز الشعوب وتُعرِّفها.
إنها الهوية ذاتها التي استُشهد من أجلها مليون شهيد في الجزائر، والتي دفع آلاف المسيحيين حياتهم ثمناً لها في مواجهة وثنية الرومان، والتي بسببها أراد النمرود إحراق أبينا إبراهيم عليه السلام، والتي جعلت مشركي مكة يخططون لاغتيال النبي صلى الله عليه واله، رغم أنهم شهدوا له بالصدق والأمانة. وهي ذات الهوية التي جعلت المتوكل العباسي يفرض أقسى العقوبات على زوار الإمام الحسين عليه السلام.
عبر التاريخ، أيقنت إمبراطوريات الاستبداد والاستكبار أن محاربة دين، أو سرقة تراث، أو تشويه أخلاق، أو تحريف قيم، أو تلويث الفطرة الإنسانية، لا يمكن أن يتحقق إلا بضرب الهوية التي تحمي هذه القيم. وهذا لا يكون إلا بتغييب التراث، أو التلاعب به، أو تحريفه، أو تشويهه، أو طمس معالمه.
إن الهوية ليست مجرد إرث ماضٍ يُستعاد في لحظات الحنين، بل هي صمام أمان للحاضر وبوصلة المستقبل. إنها الجوهر الذي يحدد ملامح الأمم ويحصّنها من الذوبان أو الاستلاب. لذلك، كانت معركة الحفاظ على الهوية محور الصراع الدائم بين قوى الاستبداد الساعية للهيمنة، وبين أصحاب القيم والمبادئ المتشبثين بأصالتهم.
في الجزائر، كان مشروع الفرنسة يهدف إلى محو الهوية العربية والإسلامية، بمنع أهلها من نطق لغتهم، وإجبارهم على استبدالها. وفي الهند والعراق، سعت مشاريع "البرنطة" إلى تغريب الشعوب وإلغاء تراثهم. وفي ليبيا، ظهر مشروع "الأيطلة"، واليوم نشهد في بعض دول الخليج محاولات "الأمركة"، وفي سياق آخر "الأنمطة" و"الطبعنة" الإسرائيلية التي تحاول مسخ هوية بعض الشعوب الغافلة، غير مدركة أن فقدان الهوية يعني اقتراب لحظة الزوال.
لكن الشعوب الحرة وقفت سدًا منيعًا أمام تلك المشاريع. شهداء الجزائر أفشلوا مشروع الفرنسة بدمائهم التي روت تراب الوطن، دماء ترنمت بأهازيج الفطرة وشعارات الكرامة والإباء. وفي الهند، كان رداء غاندي الأبيض المصنوع من القطن المحلي رمزًا بسيطًا ولكنه موجز لتراث حضارة عظيمة، تمكن بفضله من إفشال مشروع البرنطة بلا سلاح. وفي العراق، كانت أهازيج ثورة العشرين عنوانًا لتراث وادي الرافدين، أفشلت مشروع البرنطة هناك، كيف لا وهي عصارة حضارة مستمدة من أعظم القيم السماوية.
التاريخ يذكر بفخر أن كلمة بلال الحبشي (أحدٌ أحدٌ، الله أحد) لم تكن مجرد ترديد بلا معنى، بل رمزًا للثبات والإيمان. هذه الكلمة البسيطة كانت كفيلة بزعزعة أركان الشرك في مكة، وإلهام كثير من عبيدها بالإيمان. إنها إذن ليست مجرد كلمات عابرة، بل هوية قادرة على قلب الموازين، وإحياء النفوس، وبناء الأمم.
الغرض الإلهي من الذكر!!
يتضح من هذا السياق أن غرض الله سبحانه من تشريع الذكر واستحبابه، لا يقتصر فقط على تحقيق القرب منه والانقطاع إليه، وهو غاية سامية وحق لا شك فيه، بل يمتد ليشمل غايات أعمق وأكثر تأثيرًا. فهو منظومة دفاعية ثقيلة تهدف لمواجهة أعتى الإمبراطوريات التي تسعى لاستعباد الإنسان وامتهان كرامته والاستخفاف بفطرته. هذه الغايات تتلخص في ثلاثة محاور رئيسة:
الأول: الشعار
الشعار هو الحد الأدنى الذي يبدأ به الدين، وأبسط مثال عليه الشهادتان: (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله). وهذا الشعار، رغم بساطته الظاهرية، هو نواة لكل منظومة إيمانية ترتبط بشعائر الله وتعظيمها، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ) (المائدة: 2).
ولكن، لا قيمة للشعار إذا لم يستند إلى تراث واقعي غني، كما أشار القرآن: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) (الحجرات: 14). الشعار بدون تراث حقيقي يصبح أجوفًا بلا جذور.
الثاني: التراث
التراث هو العمق الروحي والمعنوي للشعار، وهو الإيمان القلبي بالله ورسوله والقرآن، وتعظيم المقدسات مثل مكة، الكعبة، المدينة، ومسجد النبي، إلى جانب مودة النبي وأهل بيته الأطهار. هذا التراث يشمل أيضًا القيم الفطرية المهذبة بما جاء به الأنبياء والمصلحون.
وقد أكد القرآن هذا المعنى في قوله تعالى: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج: 32)، حيث يرتبط تعظيم الشعائر بالمنافع المادية والمعنوية، وهو جزء لا يتجزأ من تقوى القلوب ووجدانها. التراث إذن ليس مجرد ماضٍ يُروى، بل هو إطار حيٌّ يحدد أفق الأمة ووجهتها.
الثالث: الهوية
الهوية هي الغاية الكبرى لهذه المنظومة. إنها الحصن الذي يحمي الإنسان من الاستلاب الثقافي والهيمنة الفكرية. وتاريخيًا، كلما حاولت قوى الهيمنة الاستكبارية أن تُخضع أمة ما، بدأت بمحاولة طمس هويتها.
لنأخذ مثال الثورة الفرنسية التي رفعت شعارات الحرية، لكنها منعت المسلمات من ارتداء الحجاب. لماذا؟ لأن الحجاب ليس مجرد زي، بل هو شعار لتراث غني يمثل هوية الأمة الإسلامية. الحجاب في هذا السياق، كان ولا يزال رمزًا للمقاومة، تمامًا كما أفشل الجزائريون مشروع الفرنسة بدمائهم، وكما هزأ العراقيون بمشروع البرنطة، وكما قاومت ليبيا الأيطلة، وفضحت كثير من الدول العربية والإسلامية مشروع الصهينة والتطبيع.
الخلاصة:
تشريع الذكر في الإسلام ليس غاية فردية تنتهي عند العبادة الشخصية، بل هو مشروع متكامل لبناء منظومة شعائرية، تراثية، وهُويّاتية تحمي الإنسان من الاستعباد الثقافي والتبعية. الشعار، التراث، والهوية هي الأسلحة التي تضمن للأمم صمودها أمام محاولات الطمس، وتبقيها حرةً أصيلةً متمسكةً بفطرتها الإنسانية السليمة.
إن الانتصار الذي حققه الحسين عليه السلام على يزيد، وعيسى عليه السلام على الرومان، وإبراهيم عليه السلام على النمرود، وموسى عليه السلام على فرعون، وعلي عليه السلام على معاوية، وغاندي على الإنجليز، لم يكن بسلاح القوة المادية، بل بسلاح الهوية والإيمان والشعار المستمد من تراثٍ راسخ لا ينكسر.
زينب الكبرى، صلوات الله عليها، لخصت هذا المبدأ الخالد في قولها لأعتى الطغاة: (فكد كيدك، واسعَ سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا تدرك أمدنا). هذه الكلمات لم تكن مجرد تحدٍّ، بل كانت شعارًا خالدًا، نبت في تربة تراث عظيم وهوية مشرقة كالشمس، استطاعت أن تمحو ظلام إمبراطورية الأمويين، وتجعلها عبرة للتاريخ.
ذلك التراث لم يتوقف عند الأمويين، بل استمر ليُسقط كل إمبراطوريات الفساد والطغيان التي جاءت بعدها. في حين بقي ذكر الله سبحانه شامخًا في شخصية الحسين، وفي فطرة أصحاب الحسين، ليكون رمزًا حيًا لكل ما يحفظ حرمة الإنسان وكرامة الفطرة، ويُظهر أن الظلم مهما تعاظم، فإن مصيره الزوال.
إنه ليس مجرد ذكر، بل هو شعارٌ يحمل روح الوحي، وتراثٌ يجسد عمق السماء، وهويةٌ تربط الإنسان بفطرته وكرامته. إنه شعار محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين. إنه الوحي الممتد، والتراث الذي يعلو على الزمن، والهوية التي تحفظ معنى الإنسانية وكرامتها إلى يوم القيامة.
النتيجة:
الله سبحانه وتعالى حين يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا، وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) (الأحزاب: 41-42)، لا يقتصر غرضه على تحقيق سعادة الآخرة فقط، بل يتجاوز ذلك إلى بناء شخصية مسلمة تحمل شعار الذكر، وتراث محمد والقرآن، وسلاح الهوية الذي يجعلها قادرة على الصمود والثبات أمام أعظم قوى الاستكبار عبر التاريخ، من فرنسة الأمس إلى أمركة وصهينة اليوم، حتى لو لم تكن تملك سوى الكلمة والمبدأ.
الأكثر قراءة
29898
19129
14540
11211