15 ذو القعدة 1445 هـ   23 أيار 2024 مـ 3:58 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

2024-04-10   235

تصدّع القول بعصمة «الكتاب المقدس»!

كان الكتاب المقدس على مدى قرون في منأى عن النقد، لكن بعد خروجه من تحت هيمنة الكنيسة واحتكارها لتفسيره في القرن التاسع عشر، وظهور المطابع، تحول الأمر من التسليم للنص الى أزمة الرفض والتشكيك، وتزعزع اليقين القديم بخلو الأسفار من الخطأ. والسبب الرئيس في ذلك مخالفة الكتاب المقدس لكشوفات العلم المعاصر، فقد قادت الكشوفات الأثرية في بلاد الرافدين وكنعان (بلاد الشام) ومصر للقول بأن معارف الكتاب المقدس مستقاة من معارف عصر تدوين وتأليف الكتاب المقدس المقبولة عند عامة الناس في ذلك الوقت.

أمام هذه الكشوفات انقسم علماء اللاهوت إلى طائفتين، طائفة اختارت التشبث بعصمة الكتاب من الخطأ العلمي والتاريخي، واعتمدت التأويل والتكلف في شرح وتفسير النصوص بصورة تعسفية، بل ذهب بعضهم ـ وما زال ـ إلى رفض أو التشكيك بالحقائق العلمية التي تتقاطع مع معارف الكتاب المقدس، وهو خيار عامة الإنجيليين، وأنصار نظرية (الأرض الفتية)، أي القائلون بأن عمر الكون لا يتجاوز ستة آلاف سنة!!
بينما ذهبت الطائفة الأخرى للإقرار بفساد الخبر العلمي المذكور في الكتاب المقدس، وهؤلاء بدورهم انقسموا لطائفتين، فمنهم من ألحد وكفر بسبب المخالفات العلمية الفظيعة للكتاب المقدس، كـ(جيرالدو لارو)، القسيس السابق، والحاصل على درجة الدكتوراه في الدراسات الدينية، والذي درّس تاريخ الكتاب المقدس والأركلوجيا؛ إذ واجهته حقائق البحث العلمي والتاريخي بما لا يستطيع دفعه، فقال: «رؤى كُتّاب الأسفار المقدسة ـ كما تم التعبير عنها في الكتاب المقدس ـ تعكس الأفكار والعقائد والمفاهيم المتداولة في عصرهم، وهي محدودة بالمعرفة المتاحة في تلك العصور»، The Bible as a political weapon, p. 39.
بينما اختار الفريق الآخر أن أسفار الكتاب المقدس بشرية في حديثها عن العلوم، ربانية ومعصومة من الخطأ في حديثها عن العقائد، فالوحي قد نزل ليرتفع بالناس إلى السماء حيث الجنة لا لإخبارهم عن البنية الفيزيائية للسماء! وذلك مذهب الكثير من ليبرالييي البروتستانت ولاهوتييي الكاثوليك ، ومنهم البابا يوحنا بولس الثاني، الذي أعلن بما يشبه البراءة من صحة كل ما في الكتاب المقدس، زاعماً أنه ذات دلالة روحية محضة، وذلك في رسالته الى الأكاديمة البابوية للعلوم، في 3 أكتوبر 1981؛ إذ كتب: «أثار كل من علم نشأة الكون وعلم تطوره دائماً اهتماماً كبيراً بين الشعوب والأديان، يحدثنا الكتاب المقدس نفسه عن أصل الكون وتكوينه، لا من أجل تزويدنا بأطروحة علمية، ولكن من أجل تقرير العلاقات الصحيحة للإنسان بالله والكون، وتود الأسفار المقدسة ببساطة أن تعلن أن العالم قد خُلق من قبل الله.
ومن أجل تعليم هذه الحقيقة تعبر الأسفار المقدسة عن نظرتها بعبارات الكوسمولوجيا المتداولة زمن حياة المؤلف. يرغب الكتاب المقدس أيضاً أن يخبر الناس أن الكون لم يُخلق كمقر للآلهة، كما هو تعليم نظريات نشأة الكون وتطوره الأخرى، وإنما تم إنشاؤه لخدمة الإنسان ومجد الله. كل تعليم آخر عن أصل الكون وتشكيله هو غريب عن نوايا الكتاب المقدس الذي لا يرغب في تعليم الناس كيف خلقت السماء، ولكن كيف يذهب المرء الى السماء (الجنة)».
وقد كان التيار الإنجيلي في أمريكا مجمعاً على عصمة الكتاب المقدس حتى القرن التاسع عشر حيث بدأ ظهور جيل جديد من اللاهوتيين المتذمرين، غير أن هذه الظاهرة لم تبدأ في التوسع إلا منتصف القرن العشرين، حيث أثار إدوارد كارنل المعمداني والمدرس في جامعة بايلور ضجة عام 1954 بتصريحه بأن الكتاب المقدس معصوم في تبليغ الإيمان فقط، أما فيما يخص الأخبار العلمية فهو غير معصوم من الخطأ، كما أن انحياز اللاهوتي الشاب دانيال فولر الى إنكار عصمة الكتاب المقدس من الخطأ العلمي والتاريخي أحد أهم الخروق في نسيج الإنجيليين.
فرد عليهم جمهور الإنجيليين هذه النزعة التحررية، وأصدر عام 1978 وثيقة شيكاغو عن ما يقارب من مائتي قيادي إنجيلي، أنكروا فيها أن تكون عصمة الكتاب المقدس من الغلط والخطأ قاصرة على مواضيع روحية أو دينية أو تعويضية، دون التقريرات المتعلقة بمجالات التاريخ والعلوم.
ورغم محاولة هؤلاء الإنجيليين المتزمتين في فرض عصمة الكتاب المقدس المطلقة، إلا أن عدداً متنامياً من الإنجليين المتخصصين في الدفاع عن النصرانية والكتاب المقدس يتفلتون من المفهوم الكلاسيكي للعصمة، كما في كلمات مايكل لكونا ـ أحد أنشط المدافعين عن أصول النصرانية في مواجهة الملاحدة والمسلمين ـ فقد ذهب الى أنه «غالباً ما يكون من الصعب تحديد أين ينتهي التاريخ ثم تبدأ الأسطورة»، The Resurrection of Jesus, p34.
وأقر أن أصحاب الأناجيل قد يغيرون تفاصيل الرواية بوضع كلام متحدث على لسان آخر لأسباب ما، واعتذر لهم بأن ذلك مسلك أدبي مستخدم عند اليونان والرومان اعتمده أصحاب الأناجيل!!
وقد أيده في ذلك كبار المدافعين عن النصرانية وأشهرهم، مثل دانيال والس، وغاري هبرماس، وج.ب. مورلند، كما قال الفيلسوف واللاهوتي ويليام لين كريج ـ أشهر المدافعين عن النصرانية في العالم اليوم ـ لما سُئل عن تناقضات الأناجيل: «أنا لا أصر على عصمة الأسفار المقدسة من الخطأ»، New York Times, 21-21-2018.
ومن اللاهوتيين العرب، العراقي الأب سهيل قاشا، حيث قال: «لقد أكتشف دارسو ثقافات الشرق القديم منذ قرن ونيف أن الثقافات السومرية والأكدية والآشورية والكلدية قد أسهمت إسهاماً هاماً في تكوين آداب العهد القديم وتشكل بعض مفاهيمه ومقولاته وصياغة بعض تصوراته.. العهد القديم وريث فلسفة السلوك والتربية البابلية والآشورية»، حكمة أحيقار وأثرها في الكتاب المقدس، ص67، 69.
يظهر هذا المسلك اليوم في العالم العربي بصورة جلية عند الكاثوليك اللبنانيين لانفتاح عدد منهم على الجو النقدي الحديث في فرنسا، وعصمة الكتاب المقدس عند هؤلاء عبارة عن خرافة.
الشيخ مقداد الربيعي - باحث وأستاذ في الحوزة العلمية 

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م