16 ذو الحجة 1445 هـ   23 حزيران 2024 مـ 8:51 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

2024-06-06   97

الإنسان.. حفنة من العناصر الكيميائية أم معجزة إلهية؟!

في الحلقة الأخيرة من ‏مسلسل "ستار تريك: الجيل القادم"، يمنح كيو - ‏الشخصية‏ الخالدة والقاهرة (‏على ما يبدو) - الكابتن بيكارد فرصة فريدة لمشاهدة أصل الحياة على الأرض. 

يجد بيكارد نفسه فجأة واقفاً في مشهدٍ فوضوي مليء بتدفقات الحمم البركانية والبراكين التي تنتشر، وتظهر فيه الأرض مظلمة ومشؤومة وخالية تماماً من الحياة. بينما يستجمع بيكارد نفسه من قفزته المفاجئة عبر الزمن ويقوم بتقييم ما يحيط به، يشير كيو بحماس إلى بركة زيتية من المواد الكيميائية بالقرب من فتحة بركانية.
يقول كيو: تعال إلى هنا. هناك شيء أريد أن أريك إياه. هل ترى هذا؟ هذا هو أنت.
يرمق بيكارد كيو بنظرة والشك واضح على محياه.
أنا جاد! انظر هنا، يصر كيو، وهو يحدق باهتمام في الحمأة الكيميائية. الحياة على وشك أن تتشكل على هذا الكوكب لأول مرة. هناك مجموعة من الأحماض الأمينية على وشك الاندماج لتكوين البروتين الأول، وهو اللبنة الأساسية لما تسميه الحياة.
ثم، يسخر كيو من تفاهة البشرية ويقول: غريب، أليس كذلك؟ كل ما تعرفه، حضارتك بأكملها، كل شيء يبدأ هنا في هذه البركة الصغيرة من المادة اللزجة.
هذا الحوار الذي لا يُنسى بين كيو الذي يسافر عبر الزمن وقبطان سفينة انتربرايز هو بالطبع عمل من الخيال، لكنه يعكس بشكل أو بآخر فكرة موجودة في الكتب المدرسية والمقالات العلمية الحالية في الكليات ‏والأروقة الجامعية في الغرب، وهي تفاهة وظآلة هذا الكائن المعروف بالإنسان، فليس هو إلا مجرد مجموعة من العناصر الكيميائية اجتمعت صدفة في بركة آسنة!
وإذا كان الأمر كذلك فما سر هذا الاهتمام الإلهي بالإنسان، بحيث جعله سيد خلقه وأسجد له ملائكته، وهم من وصفهم تعالى بقوله (..عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ)، الأنبياء: 26 ـ 28، فنظراً لضآلته بالقياس الى الكون وامتداده الشاسع، لماذا يكون للإنسان كل هذه الأهمية، ليصبح محل نظر واهتمام الإله فيرسل له رسلاً مبشرين ومنذرين؟ أليس في هذا مبالغة بقيمة الإنسان؟
والحق أنه تساؤل مشروع لو كان القياس بحسب القيمة المادية للأشياء، فما قيمة الإنسان في قبال مجرات الكون العظيمة، حتى يهتم به الله سبحانه لهذه الدرجة، بل هي أكثر من مبالغة.
لكن هذا الاهتمام نفسه يجعلنا نلتفت أن قيمة هذا الإنسان ليست في بدنه وجانبه المادي، بل في شيء آخر، أصحرت عنه آيات الكتاب العزيز، ففي الحقيقة إن التساؤل الذي نبحث عنه هو عين ما سألته الملائكة لله تبارك وتعالى حين أخبرها بخلقه الإنسان، وأنه سيجعله خليفة له في الأرض، حيث قال: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)، حينئذٍ تساءلت الملائكة: (..أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ)، البقرة: 30.
 وسؤالهم من جهة أن معنى الاستخلاف في الأرض هو حكاية الخليفة (الانسان) مستخلفه (الله جل جلاله) في أوصافه وأسمائه، وجميع شؤونه الوجودية، وهو ما تمنع عنه أرضية هذا المخلوق، فبما ان الانسان قد خلقه الله تعالى ليسكنه الأرض، فلابد أن يكون مخلوقاً مادياً، والمخلوق المادي يعجز عن توفير كافة احتاجاته بنفسه، فلابد له من الاجتماع، والتعاون مع باقي أفراد نوعه، وفي حال التزاحم والتدافع على مزايا الحياة، فالأمر حينئذ يفضي الى الفساد وسفك الدماء.
 وبعبارة أخرى إن النشأة الأرضية (المادية)، تمنع من قدرة هذا المخلوق (الانسان) على خلافة الحق سبحانه والتخلق بأسمائه وصفاته، فأين التراب ورب الأرباب، مع أنهم (أي الملائكة) منزهون عن هذه الصفات الأرضية (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ..)، فيكونون أولى من آدم في نيل شرف الخلافة.
فأجابهم الحق سبحانه بجواب إجمالي، مؤجلاً التفاصيل الى أن تراها الملائكة بنفسها، فقال: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ)، البقرة: 30، ثم قال (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)، البقرة: 31، حينئذ عبر الملائكة عن عجزهم عن معرفة هذه الأسماء، فقالوا: (قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)، فأحال الأمر الى آدم، وأمره بإنباء الملائكة بالأسماء، (قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ)، فظهر ما يميز الإنسان عن سائر الخلق، وما جعله لائقاً لتحمل مسؤولية خلافة الله تعالى على الأرض.
فأخبرهم تعالى بوجود ما يخفى عليهم في هذا الكائن الأرضي، فقد أودع فيه علم الأسماء أي أسماءه تعالى، وإذا اختار الانسان ان يهتدي الى السبيل لظهرت آثار هذه الأسماء عليه، وحينئذ فقط يكون خليفة لله تعالى.
فالخلافة في الآية كما قدمنا «هي قيام شيء مقام آخر لا تتم إلا بكون الخليفة حاكياً للمستخلف في جميع شؤنه الوجودية وآثاره وأحكامه وتدابيره بما هو مستخلف». الميزان ج1، ص116. وهو مقام شامخ بأن يكون المخلوق مظهراً لخالقه بهذه السعة والرتبة الوجودية، بحيث يصل الإنسان مقام (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا)، الطلاق: 12. هذا هو معنى الخلافة، والذي لا يحصل عليه الانسان إلا من خلال علمه بالأسماء، وهو ما لا يتيسر لغيره حتى الملائكة. 
والأسماء حقائق وجودية من عالم الغيب، غيبها الحق تعالى حتى عن ملائكته، بقرينة قوله تعالى بعد إنباء آدم للملائكة: (قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ..)، البقرة: 33، فهي ليست مجرد ألفاظ، ولو كانت كذلك لما كانت حجة مقنعة، وأي حجة تتم في أن يُعلم الله تعالى رجلاً مجموعة ألفاظ، ثم يباهي به ويتم الحجة على ملائكة مكرمين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون بأن هذا خليفتي وقابل لكرامتي دونكم؟ 
يقول في ذلك العلامة محمد حسين الطباطبائي: «فقد ظهر مما مر ان العلم بأسماء هؤلاء المسميات يجب أن يكون بحيث يكشف عن حقائقهم وأعيان وجوداتهم، دون مجرد ما يتكفله الوضع اللغوي من اعطاء المفهوم، فهؤلاء المسميات المعلومة حقائق خارجية، ووجودات عينية وهي مع ذلك مستورة تحت ستر الغيب، غيب السماوات والأرض، والعلم بها على ما هي عليها كان أولاً ميسوراً ممكناً لموجود أرضي لا ملك سماوي، وثانياً: دخيلاً في الخلافة الإلهية». الميزان، ج1، ص117.
فالعلم بهذه الأسماء خارج عن قدرة الملائكة، وغير ممكن بالنسبة لهم، لذا لم يحصل لهم العلم بالأسماء بتعليم آدم، فتجد القرآن قال في حق آدم عليه السلام: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا)، بينما قال في حق الملائكة: (فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ)، فما حصل لآدم هو العلم بالأسماء أي التحقق والنيل من هذه الأسماء بقدر استحقاقه، وأما الملائكة، فالأخبار والإنباء فقط، يقول صاحب الميزان: «فما حصل لملائكة من العلم بواسطة أنباء آدم لهم بالأسماء هو غير ما حصل لآدم من حقيقة العلم بالأسماء بتعليم الله تعالى فأحد الامرين كان ممكنا في حق الملائكة وفي مقدرتهم دون الآخر، وآدم انما استحق الخلافة الإلهية بالعلم بالأسماء دون أنبائها إذ الملائكة انما قالوا في مقام الجواب: سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا، فنفوا العلم». نفس المصدر.
فبحسب هذا الجانب تكون فضيلة الإنسان، فهو المخلوق القادر على استخلاف الحق سبحانه، بأن يكون مظهراً لأسمائه وصفاته، ومنه نفهم سرؤ اهتمامه تعالى بالإنسان، وتسخير الكون له، ( أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ)، لقمان: 20. 
وفي الختام.. فلنتأمل في قيمة الإنسان عند الله تعالى، وقيمة عند الملحدين.
الشيخ مقداد الربيعي – باحث وأستاذ في الحوزة العلمية

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م