12 ذو القعدة 1442 هـ   22 حزيران 2021 مـ 7:08 مساءً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

2021-06-02   43

أبن ماجد؛ البحر حرفتي.. هكذا أبدع العلماء المسلمون في علم البحار

الحقيقية غير هذه التي نعلمها.. فبالرغم من كون المستكشف والبحارة الإيطالي الشهير كريستوفر كولومبوس قد قدم اكتشافا مهما للعالم من خلال اكتشافه فيما سمي في حيناه بالعالم الجديد (الأميركتين)، إلا أن الحقيقة هي إن ها الاكتشاف ما هو إلا حلقة أخيرة من سلسلة حلقات علمية وجغرافية سبقته في كشفه، ومهّدت له الطريق للوصول إلى مبتغاه، والأحق من هذه الحقيقية هو أن تلك الاستكشافات العظيمة كانت نتيجة لجهود العلماء العرب والمسلمين في معرفتهم الملاحية التي أدت الى تطور ادوات كولومبوس وساعدته جدا في الوصول الى ما وصل أليه، إذ أن العلماء المسلمين وبالأخص منهم علماء الجغرافيا والملاحة البحرية هم اصحاب نصيب الأسد في هذه المعرفة البشرية؛ فضلا عن كتابتهم وتصنيفاتهم وتحريراتهم بل وتعديلاتهم وتصحيحاتهم للأغلاط كافة التي وقع فيها اليونانيون والصينيون والهنود الأقدمون في مجال جغرافيا البحار والملاحة.
يرجع الفضل في ذلك، الى جملة اسباب منها اهتمام العلم سيما الجغرافيا، خصوصا وأن مساحة الدولة الإسلامية الوليدة، التي نشأت منذ عصر النبوة وما تلى ذلك، كانت قد وصلت إلى أقصى اتساعها من الصين شرقا إلى الأندلس وفرنسا غربا، وبالضرورة فأن هذا التواجد سيتطلب استكشافا جغرافيا نوعي، إمعانا في مد مساحته.
ومن جهة أخرى، فأن تباين الشعوب الإسلامية سيما الجديدة منها في العادات والتقاليد من إقليم لآخر، أدّى ـ مع مرور الزمن ـ إلى تطورّ علوم الجغرافية، فضلا عن العلوم الاجتماعية والإنسانية الأخرى، كما أدّت إلى تطور فنون الملاحة البحرية، لكثرة البحار والمحيطات والأنهار التي كانت ولا تزال تفصل بين الشعوب الإسلامية في قارات العالم القديم آسيا وأفريقيا وأوروبا.
  ومن اصدق لحقائق هو دور العلماء المسلمين في تقويم وتصحيح المعلومات التي وردت عن الحضارة اليونانية، إذ تناول الكثير من المُصنّفين والمؤلفين المسلمين الحديثَ عن البحار بين الإيجاز والتفصيل، وعرضوا لها من أوجهٍ شتّى، وكان من أبرز هؤلاء المتقدمين كلٌّ من الكندي وابن الطيب والمسعودي وابن سينا والبيروني والإدريسي وغيرهم، وأفرد المؤرخ والجغرافي المسعودي في كتابه "مروج الذهب" حديثا طويلا عن البحار مع شيء من التفصيل، وتعرّض لدراسة جغرافية البحار المعروفة في زمنه في القرن الثالث الهجري / الثامن الميلادي، وناقش ظاهرة المد والجزر، كما أشار إلى الرياح ومواسمها واستغلال البحارة والربابنة لها، خصوصا ما قاله: "لكل مَن يركب هذه البحار من الناس رياحٌ يعرفونها في أوقات تكون فيها مهابها، وقد عُلم ذلك بالعادات وطول التجارب، يتوارثون علم ذلك قولا وعملا ودلائل بعلامات يعلمون بها موعد هيجانه وأحوال توازنه".
ولا شك أن الجغرافيين العرب والمسلمين المتقدمين في القرن الثاني والثالث الهجري كانوا قد اعتمدوا على المعرفة اليونانية بجغرافية العالم القديم، إلا أن سياحاتهم وتجوالهم قد أضاف لها الكثير، وصحح كثيرا من أغلاط اليونانيين التي كانت معرفتهم لها على الغالب معرفة نظرية في الكثير منها.
  ولذلك نرى جغرافيا عربيا لامعا هو المقدسي البشاري المتوفى 380هـ/990م لا يتردد في الجهر بمخالفة اليونانيين، وتصحيح أخطائهم الجغرافية والبحرية منها، خاصة فيما يتعلق بالمحيطات وأشكالها، إذ نراه يقول في الفصل الخاص بذكر البحار والأنهار في كتابه الأشهر "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم" عن المحيط الهندي: "اعلم أنا لم نرَ في الإسلام إلا بحرينِ حسب أحدهما يخرجُ من نحو مشارق الشتاء بين بلاد الصين وبلاد السودان (أفريقيا)، فإذا بلغ مملكة الإسلام دارَ على جزيرة العرب كما مثّلناه، وله خلجان كثيرة وشُعُب عدّة، وقد اختلف الناس في وصفه، والمصوّرون في تمثيله، فمنهم من جعله شبه طيلسان يدور ببلاد الصين والحبشة، وطرف بالقُلزم (البحر الأحمر) وطَرف بعبادان (الخليج العربي)"، وهو أقرب الأوصاف للصحة في رسم مشهد تصويري للمحيط الهندي والبحار والخلجان المتصلة به مثل الخليج العربي وبحر العرب والبحر الأحمر، وقد أشار المقدسي إلى المنائر أو الفنارات التي كانت تُوقد فيها النيران ليلا لإرشاد السفن والربابنة إلى الساحل، وهو يُسميها الخشبات، كما وصف وصفا دقيقا البحر المتوسط "بحر الروم" كما كان يُسمى في عصره، والبلدان الواقعة عليه، وتعاريجه الجغرافية، وكانت الروم أو الإمبراطورية البيزنطية لا تزال تسيطر عليه آنذاك قبل ألف عام في زمن المقدسي، وهو في كل ذلك ينقد آراء اليونان في عدد البحار والمحيطات ووصفهم لها، ويأتي بذكر آراء علماء الجغرافيا المسلمين في عصره.
 وقد لاحظ المسعودي أيضا الملاحظة ذاتها حين أقرّ بنقض البحارة العرب والمسلمين لتصورات اليونانيين القدماء، فهو يقول: "ووجدتُ نواخذة بحر الصين والهند والسند والزنج واليمن والقُلزم والحبشة من الشرافيين والعُمانيين عن البحر الحبشي في أغلب الأمور على خلاف ما ذكرته الفلاسفة وغيرهم مما حكيناه عنهم، المقادير والمساحة، وأن ذلك لا غاية له في موضع منه".
من جهة أخرى، فقد أسهم البحارة والنواخذة والربابنة العرب والمسلمين في الكتابة عن البحار والمحيطات وآلات البحر انطلاقا من التجربة العملية، وكان لهم دور في تطوير آلات الرصد والملاحة مثل الإسطرلاب والبوصلة المعروفة عندهم بـ"بيت الإبرة"، فقد كانوا أول من اكتشف خواصّها، وإذا كانوا أخذوا فكرتها عن الصينيين فإليهم يرجع الفضل في تقسيمها واستخدامها في الملاحة على نطاق واسع، ووضعوا لذلك جداول فلكية ساروا عليها، مثل تلك التي وضعها كلٌّ من إبراهيم الفزاري وابن يونس المصري والزرقاني والبيروني، وقد تنوعت أقاليمهم ما بين المصري والعراقي والأندلسي، وكانت تلك الجداول لا مناص من الاستعانة بها في الأسفار البحرية والبرية.
ويُعتبر سليمان التاجر من روّاد البحر العرب الأوائل الذين كانوا على دراية بأسراره وطرقه، وقد عاش في القرن الثالث الهجري، ورحل طلبا للتجارة واجتاز بحار الهند مارا بجزيرة سيلان ومالقا (جنوب شرق آسيا) وزار الصين أيضا، كما جابت سفُنه البحر المتوسط والأحمر والخليج العربي وأرخبيل الملايو، ودوّن أخبار رحلاته وملاحظاته على البحر في رسالة خطية دوّنها سنة 237هـ/851م، طُبعت باسم "رحلة التاجر سليمان" أضاف إليها كاتب عربي آخر يُدعى أبا زيد حسن السيرافي بعض المعلومات عن الهند والصين وعلاقة العرب بهذين البلدين خلال القرنين التاسع والعاشر الميلادي، تناول فيها بعض الظواهر الجوية غير العادية مثل الزوابع والأنواء الحلزونية أو الأعاصير المعروفة بـ "التايفون" ووصف بعض حيوانات البحر مثل الحوت ومحار اللؤلؤ وكيفية صيدها.
 بمرور السنين كان الجغرافيون والملّاحة العرب يدوّنون تجاربهم ومعرفتهم في مصنفات مخصصة امتازت بالجدة والوضوح والدقة العلمية المنهجية القائمة على الاستقراء والتطبيق العملي والتطور الدائم، بالاعتماد على آلات الملاحة التي توفرت لهم حينذاك مثل الإسطرلاب والبوصلة ومعرفة خطوط الطول والعرض وغيرها.
 ويرى المؤرخ الدكتور حسين مؤنس في كتابه المهم "الجغرافيا والجغرافيون في الأندلس" أن كريستوفر كولومبس اقتبس نظرية الوصول إلى جزر الهند الغربية عن طريق الملاحة غربا من الجغرافي الأندلسي أبي عُبيد البكري، وخلاصة هذه النظرية أن العربَ كانوا يحسبون خطوة الطول اعتبارا من الشرق من نقطة أطلقوا عليها "الأرين" وهي مكان يمر به خط منتصف النهار ويستوي فيه طول الليل والنهار، ومنه حسب الجغرافي الهمداني في كتابه "صفة جزيرة العرب" أطوال مدن العرب المشهورة بما فيها مكة والمدينة، وبتأثير هذه النظرية اعتقد كولومبس وجود مركز آخر للأرض في نصف الكرة الغربي في مواجهة "قبة الأرين" على موضع أكثر ارتفاعا من مثيله في نصف الكرة الشرقي.
   ويأتي الرُبّان والبحارة العربي الأشهر أحمد بن ماجد على رأس البحارة والربابنة العرب شهرة وعلما بالبحار وأسرارها وطرقها، فقد ترك هذا البحارة الفذ مجموعة قيّمة من الكتب والرسائل تتناول علوم البحر والملاحة وفنونهما، واهتم الأوروبيون بعلوم ابن ماجد، حتى كان لها الأثر في اكتشافات البرتغالي فاسكو دي جاما لبحر العرب والخليج العربي، وبلغت هذه الرسائل والكتب تسعة عشر كتابا، منها "كتاب الفوائد في أصول علم البحر والقواعد"، و"حاوية الاختصار في أصول علم البحار"، وهي قصيدة على بحر الرجز، كما كتب أراجيز شعرية أخرى تناول فيها علوم البحر وقواعدها وأصولها وأسرارها، وقد أعجبت هذه المؤلفات المستشرق الفرنسي جبريل فران الذي أعاد نشر بعض أعمال ابن ماجد في باريس في أوائل القرن العشرين منبهرا ومعجبا بها وقائلا في مقدمة نشرها: "ومؤلف ابن ماجد من الطراز الأول، ويستحق أن يُوضع تحت الأضواء، وهذا المؤلف من المسلّم به أنه أهم مرجع جغرافي في أوليات العصور الوسطى، فقد وجدوا فيه عرضا مفصّلا للعلاقات البحرية ما بين المحيطات في بحار الجنوب، بين الساحل الشرقي لأفريقيا وميناء تايوان بالصين في القرن الخامس عشر، ويحتوي الكتاب أيضا البحر الأحمر، الخليج العربي، جميع جزر المحيط الهندي، وبحر الصين الغربي وأرخبيل آسيا العظيم، إن أبحاث ابن ماجد وسُليمان المهري لخّصت بشكل ما معلومات كل ملاحي بحار الهند، سواء كانوا ملاحين عربا أو أفريقيين أو هنودا غربيين وشرقيين، وهكذا فإن هذه التعاليم البحرية العربية حملت إضافة غير محدودة وقيّمة إلى تاريخ الملاحة والتجارة في بحار الجنوب، سابقة لوصول فاسكو دي جاما".
كل هذا وغيره، قد دفع المستشرق والوزير الفرنسي جبريل فران لمدح ما قدّمه الملاح العربي ابن ماجد بقوله: "إن أبحاث ابن ماجد وسُليمان المهري لخّصت بشكل ما معلومات كل ملّاحي بحار الهند، سواء كانوا ملاحين عربا أو أفريقيين أو هنودا غربيين وشرقيين، وهكذا فإن هذه التعاليم البحرية العربية حملت إضافة غير محدودة وقيّمة إلى تاريخ الملاحة والتجارة في بحار الجنوب، سابقة لوصول فاسكو دي جاما"
وهكذا أسهمت علوم الجغرافية والملاحة العربية في تطور واستكشاف العالم وجغرافيته من جديد، استكشاف لم يصحح أغلاط وأخطاء اليونانيين الأقدمين حول تصوراتهم الجغرافية فحسب، بل أسهم فوق ذلك في اكتشاف الأراضي الجديدة في الأميركتين على يد كريستوفر كولومبس ومن جاء من بعده، وقد وصلت هذه المعرفة بالملاحة في العالم الإسلامي ذروة نضجها وعظمتها على يد البحارة العثماني محيي الدين بيري ريس الذي لا تزال خرائطه التي رسمها في كتابه "بحرية" في غضون القرن السادس عشر الميلادي تُدهش العالم لمطابقتها للأقمار الصناعية، وقد رسمها قبل ظهور هذه التقنيات بأربعة قرون كاملة!

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م