12 ذو القعدة 1442 هـ   22 حزيران 2021 مـ 7:07 مساءً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

2021-06-05   59

القصاص في جريمة القتل في الاسلام.. قراءة في القتل وأنواعه حسب القانون الجنائي الإسلامي

يعتبر الإسلام القتل جريمة؛ جريمة كبرى وكارثية، ويستنكر فاعلها أيما استنكار، ويتوعده بجهنم، فقد ورد في القرآن الكريم، قوله تعالى: (( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا))(سورة النساء ـ 93).
بل عّد الإسلام من يقتل فردا دونما حق كذاك الذي يقتل الناس جميعا، فقال تعالى (( ... مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا.......))(سورة المائدة ـ 32)، وقال تعالى ((وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ ۖ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا))(سورة الأسراء ـ 32).
بل وأنه ـ الإسلام ـ يرى بأن المؤمن الحق لا يقتل عمدا، وإن كان ذلك فهو عن طريق الخطأ، ((وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ... ))(سورة النساء ـ 92).
ولم يكتف الإسلام من خلال كتابه الأقدس (القرآن الكريم) بتبيان فظاعة القتل، حتى راحت السنة النبوية الشريفة تبين ذلك، فأمعن النبي الأكرم صلوات الله عليه وآله في تجريم القاتل، تخليقا منه للمسلمين، وإشاعة لثقافة السلام بين الناس، وتأكيدا منه لقيمة الإنسان وعظم خلقه، فقد ورد عن النبي الأكرم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم قوله: "أعثر الناس من قتل غير قاتله أو ضرب غير ضاربه"، وقوله عليه وآله الصلاة والسلام: "لا يزال العبد في فسحة من دينه ما لم يُصب دماً حراماً"، وقوله: "أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء"، وقوله: "أول ما يحكم الله فيه يوم القيامة الدماء، فيوقف ابنا آدم فيقضى بينهما، ثم الذين يلونهما من أصحاب الدماء حتى لا يبقى منهم أحد"، وقوله: "لا يغرنكم ربح الذراعين بالدم فإن له عند الله قاتلاً لا يموت، قالوا: يا رسول الله: وما قاتل لا يموت؟ فقال: النار".
كما ورد عن ائمة أهل البيت عليهم السلام ذات المعنى وعين المقصد، فعن الإمام الصادق عليه الصلاة والسلام قال: "لا يوفّق قاتل المؤمن متعمداً للتوبة"، وقال الإمام الباقر عليه الصلاة والسلام: "من قتل مؤمناً متعمداً أثبت الله على قاتله جميع الذنوب، وبرئ المقتول منها، وذلك قول الله عز وجل (إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار)".
ولأن الإسلام دين واقعي، فقد عمل على تأسيسات عميقة يراد منها إدامة الحياة، بل والحياة الكريمة، كيف لا والإنسان هو القيمة العظمى لهذا الخلق بكل ما وسع وشمل؛ وبغية تعظيم حياة هذا الكائن، راح الإسلام يبين حرمة قتل الإنسان دون سبب وجيه، بل وعد ذلك مما يدخل النار والخلود فيها أبدا، كما بينا سالفا من نصوص، قرآنية كانت أم عصموية.
والقتل هو سفك دم إنسان بريء من دون سبب؛ أو لسبب لا يوجب القتل عادة؛ لأنه ليس من موجبات القتل، كما حصل مع قابيل عندما قتل اخاه هابيل بعدما قدما قرابينهما لله جل وعلا فتقبل من هابيل ولم يتقبل من قابيل، وهو ما دفع الأخير؛ لأول جريمة قتل مارسها الإنسان، عندما قتل أخيه هابيل، كنتيجة طبيعية للحقد الذي اكتنزه ضد اخيه.
وبهذه الأعذار أو بغيرها كدين مادي أو مشاجرة بسيطة، أو سوء فهم أو كبر وعلو، يعمد الكثير من بني أدم للقتل، وبه إشاعة لهتك الأنفس المحترمة وقتل خليفة الله في ارضه.
والقتل ليس دائما محرما وممنوعا في الإسلام، فقد يكون مشروعا أو واجبا في أحايين كثيرة، لذا سنبين أقسام القتل والموقف الشرعي حيال كل قسم منها:
1. القتل العمد.. وهو عبارة عن إزهاق نفس بدون سبب أو مبرر شرعي وكان القاتل متعمداً لفعل القتل؛  كما لو تعمد إطلاق النار عليه أو صدمه بسيارة بطريقة قاتلة ومقصودة أو تعمد طعنه بسكين حتى فارقت روحه جسده أو ألقاه من مكان عالٍ موجب للقتل عادة أو حبسه في مكان لا يوجد فيه طعام وماء حتى مات أو غير ذلك من الأسباب الكثيرة المؤدية إلى القتل.
وحكم الإسلام في القاتل المتعمد هو القتل مساواة بالمقتول، وبمعنى أدق، القصاص، ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ))(سورة البقرة ـ 178)، إلا إذا قبل أولياء المقتول بغير ذلك كالمصالحة وأخذهم دية المقتول من قاتله ومن ثم العفو عنه.
ويكون هذا القصاص مشروطا بما يلي:
ـ وجود القصد والنية الجرمية في القتل، أي ان يكون القاتل قاصداً لفعل القتل؛ كما ذكرنا في الأمثلة السابقة.
ـ توافر المسؤولية الجنائية، أن يكون القاتل مسؤولا عن فعله أي أن يكون بالغاً وعاقلاً، وبخلافه فلا يكون كذلك، كأن يكون القاتل صبيا أو مجنونا، فتنتفي هنا المسؤولية الجنائية لكونهما غير مكلفين شرعاً بالأحكام.
ـ براءة المقتول، أو ما يعبر عنه بمحقون الدم أي محترم الدم، أي لا توجد جناية بحقه موجبة للقتل كالدفاع عن النفس مثلا أو تنفيذ حكم القتل به قصاصا، فمن قتله قصاصا لا ذنب عليه. 
كما طالب الإسلام بأدلة منطقية وشرعية في أثبات القتل، كإقرار القاتل ـ اعترافه بقتل إنساناً بريئاً ـ شريطة أن يكون المُقر بالغاً عاقلاً مختاراً وقاصداً لما يقول من فعل القتل الموجب للقصاص.
كما استلزم الإسلام دليلا أخر، وهو البينة الشرعية في أثبات القتل، وتتحقق البينة الشرعية بشهادة شاهدين عدلين ومن الرجال حصرا، وقد رأوا فعل القتل صراحة ومباشرة على أن تتطابق شهادتهما، وبخلافه تسقط الشهادتين، كأن يشهد أحدهما بأن القتل كان صباحا، والأخر يثبته مساءً، فلا قيمة للشهادتين، بداعي سقوطهما عن الاعتبار الشرعي، إذ لا يثبت القتل بالشهادتين المتناقضتين.

2. القتل الشبيه بالعمد أو الخطأ.. كأن يقوم أحدهم بفعل ما حيال الأخر، ولا يؤدي هذا الفعل عادة للقتل ولا يفضي للموت عادة، ولكن المصادفة أدت للوفاة، كمن يضرب أخرا بصفعة بسيطة تؤدي الى موته، أو أن يعطي الطبيب علاجا ما ويؤدي الى موت مريضه، فهنا القتل شبه متعم او قتل خطأ، وأن كان قد تعمد الضرب البسيط (غير المفضي للموت عادة) أو قصد إعطاء العلاج لغرض الشفاء، لكنهما لم يقصدا القتل.
وحكم الإسلام في ذلك هو الدية وليس القتل بالقصاص، على أن تكون الدية على نفس القاتل.

3. القتل الخطأ المحض.. وهو أن يكون القاتل قاصداً لفعل ما؛ كصيد حمامة ما، وأصابت الرصاصة رجلا بقربها، فهذا القتل مما يُعّد خطأ محضا، إذ أن القاتل ليس قاصداً للقتل أصلاً؛ ولو كان يعلم بوجود إنسان قرب صيده لما بادر بإطلاق النار، ونفس الأمر لذلك السائق الذي يتفاجأ بمرور أحدهم من الأماكن غير المسموحة بمرو ر المشاة؛ ودون إنذار أو تحذير مسبق من المجني عليه، وحكمه الدية على أقرباء القاتل من طرق الأب كالأخوة والأعمام.

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م