23 ربيع الثاني 1443 هـ   29 تشرين الثاني 2021 مـ 3:37 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

2021-11-22   319

المرأة بين تسليع الماديين وتكريم الإسلام

ينظر الماديون للكون بنظرة مادة بحت، أي أنهمم ينظرون إليه وفقا لحواسهم المدية فحسب، وفي حدود الطبيعة فقط، ولا يعبأون بما وراء ذلك، ويعتقدون أن الموت هو الفناء المطلب وأن للزمن (الدهر وليس الله سبحانه؛ موجدهم من العدم) حكومته على الوجود، وهو مصادقا لقوله تعالى: ((وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ))(سورة الجاثية ـ 24) 
ووفقا لنظرتهم هذه، فإنسان كما الكون؛ مادي بحت، وما هو إلا جسم هيئته الطبيعة للمتعة واللذة، وهذا الجسد (البدن) ما هو إلا حقيقة هذا الكائن ـ الإنسان ـ ، وليس لنوعي هذا الإنسان من ذكر وأنثى؛ أي فضيلة على بعضهما، بل وأنه كما الجمادات والحيوانات، اجسام مجردة.
وهذا عين ما تسعى له الفلسفة المادية الغربية، من تبضيع للإنسان، بما في ذلك سلخ جنسه ونوعه، وخلط الأوراق عليه، فضلا عن تهجينه بما يسمى بالجنس الثالث والرابع وغير ذلك من المسميات التي لا تتسق وطبيعة الخلقة، حتى أنهم بدأوا يشرعنون للمثلية من خلال ذلك، وهو ما قد يسلب المرأة كينونتها وهويتها ككائن مزه الله تعالى بجملة ميزات وخصائص تتسق ووظيفة الأمومة من حمل ورضاعة وما الى ذلك مما تحسن المرأة حسب خلقتها السوية، وقبل ذلك محالتهم تسخيرها للمتعة وحسب، حتى أفقدوها بريقها الأنثوي من جهة وانتزعوا منها عاطفتها التي تمكنها من إدامة النوع من خلال أمومتها ودورها في مد النوع بالديمومة بالطريقة التي فطرها الله عليها، فضلا عن افتقاد الحالة التربوية المجتمعية التي لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال عاطفة المرأة ورأفتها ورقتها التي تزرقها في المجتمع الإنساني.
وقد استطاعوا لشيء من ذلك، بعد أن ساهموا في أنتشار الجنس غير السوي، والاكتفاء بطرق تتنافى وطبيعة الإنسان، وهو ما أدى الى نشوء أجيال لا تفقه للأسرة معنى ولا تعرف لنفسها وزنا، وهو مقدمة لكائن لا يعنيه شيء في هذا الوجود، بما في ذلك نفسه وروحه.  
قبالة ذلك، ينظر الإسلام للإنسان ـ بالعكس من هؤلاء الماديين ـ على أنه كائن يتكون من مادة وروح وهو نوعي مقرب لخالقه، حباه الله بعظيم الخلقة وحسن التقويم، وجعله خليفته في الأرض.
كما إن هذا الإنسان، ما هو إلا واحد من نوعين، ذكر وأنثى، وأن لا فرق بينهما مدار قربهما من اله لا يعتمد على جنسه، إنما على عمله وتقواه، بدلالة العمومية في الخطاب القرآني، إ((ِنَّ ((مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ))(سورة النحل ـ 97)، وقوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ))(سورة الحجرات ـ 13)، أي أن الجائزة الإلهية متوقفة على الإيمان والعلم والعقيدة وليس غير ذلك.  
وغن كان ثمة فارق بين الذكر والأنثى، فليس للتمييز إنما للتمايز، إذ إن الفوارق بينهما ليست من باب الكمال؛ وإن كانت فضيلة أو مزية لبعضهما على الآخر، وقبالة ميزه الأول على الثاني، ثمة ميزة للثاني على الأول، وهذا يعني أنّ هذا التمايز ليس معياراً للتفاضل بينهما، فقوامية الرجل على المرأة ليست تميزا له عليه، إنما فضيلة لقوته البدينة عليه، قبالة قوتها العاطفية عليه.
وبغية معرفة ما لعاطفة المرأة من وزن وقوة قد تفوق حتى جسمانية الرجل وقوته البدنية، فلنا ان نتصور خلو الحياة من هذه العاطفة، وما قد يجره ذلك من عدم شعور بالمسؤولية حيال الطفل وبالتالي حياته، فضلا عن تربيته وتنشئته، وهو ما ينعكس على بناء المجتمع بشكل محتوم، فيكون المجتمع فاضلا ومثاليا، كلما منحته المرأة عاطفتها الصادقة وتربيتها المخلصة. 
لذا فأن التفاضل في جسم الإنسان وتقسمه الى رجل ومرأة، لا يعني تمييزا للرجل على المرأة، بل أنه تباين تكاملي مقصود، وإن شأت فقل تعدد أدوار ووحدة هدف؛ فقوة الرجل في العادة هي امتياز له على ضعفها البدني، في حين أن عاطفتها الجياشة وإحساسها المرهف؛ امتياز لها على خشونته ويباسه، وقد شاءت المشيئة الإلهية أن تمتزج هذه القوة الجسمانية مع العاطفة الجياشة ويتكاملا لبناء الاسرة المتوازنة ومن خلالها المجتمع المنشود.
ومن هذه النظرة المتوازنة والواقعية للمرأة والرجل على حد سواء، أسس الإسلام نظرته الخاصة حيال المرأة، وجعلها صنوا لشريكها الرجل في إدارة الشأن الحياتي، ولم يقبل بتنميطها ماديا وحصر قيمتها في المتعة الجسدية فقط، لأن ذلك سيسلبها عاطفتها ـ التي هي اللازمة الضرورة للقوة الجسمانية للرجل ـ وبذلك فأننا ستفقد أهم مرتكزات التوازن البنائي للحياة، بعد أن توظف بغير وظيفتها التي خلقها الله تعالى لها، وهو ما يحول المجتمع إلى معترك حياة لا يفقه غير القوّة والعنف وهو ما يحكم بسقوطه عاجلا. 
وعلى هذا وذاك، فأن هذا التمايز الخلقي بين الرجل والمرأة، إنما مرده هو تقسيم المناصب التنفيذية بينهما فمنصب الرجل يكمن في توفير اسباب الحياة من طعام ومسكن حماية، في حين أن منصب المرأة يكمن الأمومة وإدامة النوع وتوفير دواعي بقاءه حيا من خلال عاطفتها، وليّناً من خلال تربيتها، وعليه فلا يحقّ لأحد منهما ـ الرجل والمرأة ـ ان يعتبر ميزته فضيلة على الأخر، خصوصا وإن لهذه المناصب التنفيذية مسؤوليات جسام، لا يمكن النصل عنها تحت أي ظرف كان، وإلا فالخلل والتيه والتخبط هو ما سيحكم المشهد. 


جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م