13 صفر 1442 هـ   1 تشرين الأول 2020 مـ 11:41 مساءً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | شخصيات إسلامية |  الفرزدق... عندما يكون الشعر قضية
2020-08-07   678

الفرزدق... عندما يكون الشعر قضية

الفرزدق، شاعر عراقي عربي اصيل، مليح اللهجة، حسن القول، من أشهر وأشعر شعراء العرب طيلة القرنين الأولين، حتى قيل فيه: "لولا شعر الفرزدق لذهب ثلث لغة العرب".
واسم الفرزدق هو هَمَّامُ بْنُ غَالِبِ بْنِ صَعْصَعَةَ بْنُ نَاجِيَةَ بْنِ عِقَالِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ بْنِ مجاشع بن دارم بن حنظلة بن زيد بن مناة بْنِ مُرِّ بْنِ أُدِّ بْنِ طَابِخَةَ أَبُو فِرَاسِ بْنُ أَبِي خَطَلٍ التَّمِيمِيُّ الْبَصْرِيُّ المعروف بالفرزدق، وكنيته أبو فراس.
ولد أبو فراس الفرزدق سنة (38) من الهجرة الشريفة في بصرة العراق، وتوفي فيها عام (110) هجرية.
لم يكتب الفرزدق شعره تكسبا للمال، كغيره من الشعراء، بل كان شاعر القضية الولائية، نذر كل شعره لإثبات أحقية أهل البيت عليهم السلام، خصوصا وان له أيام طفولته لقاء مع أمير المؤمنين علي عليه السلام، حيث امره بضرورة تعلم القرآن ومنح صنعته هذه ـ الشعر ـ السمة المبدئية، وهو ما جعل منه شاعرا مبدئيا لا يعلى عليه، إذ دخل غالب ـ والد الفرزدق ـ  ذات مرة على أمير المؤمنين عليه السلام أيّام خلافته، وكان غالب حينها شيخا كبيرا، وكان برفقته ابنه الفرزدق، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: مَن هذا الغلام معك؟ قال: هذا ابني، قال: ما اسمه؟ قال: همام، وقد رويته الشعر يا أمير المؤمنين وكلام العرب، ويوشك أن يكون شاعراً مجيداً، فقال: لو أقرأته القرآن فهو خير له، فكان الفرزدق بعد يروي هذا الحديث ويقول: ما زالت كلمته في نفسي حتّى قيّد نفسه بقيد وآلى ألّا يفكّه حتّى يحفظ القرآن، فما فكّه حتّى حفظه".
كما التقى الفرزدق بالإمام الحسين عليه السلام اثناء وصول الإمام عليه السلام للكوفة قادما من مدينة جده صلوات الله عليه وآله، إذا يقول الفرزدق: "حججت بأُمّي في سنة ستّين، فبينا أنا أسوق بعيرها حين دخلت الحرم، إذ لقيت الحسين بن علي عليهما السلام خارجاً من مكّة معه أسيافه وتراسه، فقلت: لمَن هذا القطار؟ فقيل: للحسين بن علي، فأتيته فسلّمت عليه وقلت له: أعطاك الله سؤلك وأملك فيما تُحبّ، بأبي أنت وأُمّي يا ابن رسول الله، ما أعجلك عن الحجّ؟ فقال: لو لم أعجل لأُخذت، ثمّ قال لي: مَن أنت؟ قلت: امرؤ من العرب، فلا والله ما فتّشني عن أكثر من ذلك، ثمّ قال لي: أخبرني عن الناس خلفك، فقلت: الخبير سألت، قلوب الناس معك وأسيافهم عليك، والقضاء ينزل من السماء، والله يفعل ما يشاء، فقال: صدقت، لله الأمر، وكلّ يوم ربّنا هو في شأن، إن نزل القضاء بما نُحبّ فنحمد الله على نعمائه، وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء، فلم يبعد مَن كان الحقّ نيّته والتقوى سريرته، فقلت له: أجل، بلّغك الله ما تُحبّ وكفاك ما تحذر، وسألته عن أشياء من نذور ومناسك فأخبرني بها، وحرّك راحلته وقال: السلام عليك، ثمّ افترقنا"، ثم رثى الفرزدق الإمام الحسين عليه السلام بعد واقعة الطف الخالدة، حتى قال: "اُنظروا، فإن غضبت العرب لابن سيّدها وخيرها، فاعلموا أنّه سيدوم عزّها، وتبقى هيبتها، وإن صبرت عليه، ولم تتغيّر لم يزدها الله إلّا ذُلّا إلى آخر الدهر، وأنشد في ذلك:
فإن أنتم لم تثأروا لابن خيرِكم فألقوا السلاحَ واغزلوا بالمغازل
كما عمل الفرزدق على نشر خبر إمامة السجاد من بعد الحسين عليهما السلام، ومن شواهد ذلك ميمته الكبرى بحق الإمام السجاد عليه السلام التي ألقاها خلال طواف الطاغية هشام بن عبد الملك في الكعبة، والتي تطلع بمطلع يشكل صدمة للبيت الأموي في حينه: 
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحلّ والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهـــــــم هذا التقي النقي الطاهر العلم
ومما قاله العلماء في عظيم شأن الفرزدق، قول السيد محسن الأمين رضوان الله تعالى عليه: "كان الفرزدق سيّداً جواداً فاضلاً، وجيهاً عند الخلفاء والأُمراء، هاشمي الرأي في أيّام بني أُمية، يمدح أحياءهم ويُؤبّن موتاهم، ويهجو بني أُمية وأُمراءهم"، 
كما قال فيه الجاحظ: "إن أحببت أن تروي من قصار القصائد شعراً لم يُسمع بمثله، فالتمس ذلك في قصار قصائد الفرزدق، فإنّك لا ترى شاعراً قطّ يجمع التجويد في القصار والطوال غيره".

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م