13 ربيع الاول 1443 هـ   20 تشرين الأول 2021 مـ 7:39 مساءً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | قصص قرآنية |  النبي إبراهيم وعمه آزر.. عندما تحاور الحجة الريبة
2021-08-08   1132

النبي إبراهيم وعمه آزر.. عندما تحاور الحجة الريبة

ما أنفك أنبياء الله ورسله صلوات الله عليهم أجمعين عن توخي اساليب الدعوة الحسنة والحوار الطيب، بل ولم يغادروا كل ما من شأنه اقناع الخصوم؛ من طرق اقناع رأسمالها الحجة البالغة والأسلوب الحسن، كيف لا وهدفهم الأول والأخير هو ارشاد الناس وصلاحهم، وليس للفوز بالمحاججة او الانتصار بالرأي مما يقصده الدنيويين عادة. 
حديثنا عن محاورة النبي إبراهيم عليه وآله وعلى نبينا وأله افضل الصلاة وأتم التسليم مع أبيه آزر بخصوص عبادة الأخير؛ ما لا ينفع ولا يضر  من آلهة، وقبل الخوض بتفاصيل الحوارية هذه، لا بد أن نشير الى أن لفظة الأب هنا تنصرف الى ما هو أعم من الأب الصلبي، فيُراد به احيانا الجدّ للأُمّ، ويراد به في أحيان أخرى المربّي والمعلّم والمرشد، فضلا عن العمّ (محل مقالنا هذا)؛ وهو ما اعتاده القرآن الكريم من اسلوب؛ ففي قوله تعالى: ((أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وإله آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إلها وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ))(سورة البقرة ـ 133)، فالحديث على لسان أولاد النبي يعقوب عليه السلام؛ في حين أن إسماعيل كان عمّاً ليعقوب عليه السلام وليس أبا، وما يدعم هذا التصور ـ بأن آزر عم أبراهيم عليه السلام ـ هو اتفاق علماء المسلمين على كون آباء نبينا الأكرم صلوات الله عليه وآله ومنهم إبراهيم عليهم السلام وأبيه عليه السلام صعودا إلى آدم عليه السلام كلّهم مُوحّدين، ولم يكن فيهم كافر اطلاقا، مدعوما بحديث نبيا الأكرم صلوات الله عليه وآله: "نَقَلني اللهُ مِن أصلابِ الطّاهرينَ إلى أَرحامِ الطّاهراتِ، لمْ يُدنّسني بِدَنسِ الجاهليّةِ".
وما دعوة النبي إبراهيم عليه الصلاة والسلام لعمه آزر؛ إلا أتساقا مع ما بُّلغ به ـ وباقي الأنبياء ومنهم نبينا الأكرم صلوات الله ليهم أجمعين ـ على البدء بدعوة الأقربين من العشيرة، كما في قوله تعالى: ((وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ))(سورة الشعراء ـ 214)، حيث أنه ـ النبي أبراهيم عليه الصلاة والسلام ـ قد بدء دعوته من حيث الأقربين. وعود على حوارية النبي إبراهيم عليه الصلاة والسلام مع عمه آزر، ففي قولته تعالى: ((ِوَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ ۖ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ۖ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىٰ أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49) وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا(50))(سورة مريم 41 ـ 50)، نجد إن النبي إبراهيم عليه الصلاة والسلام حاور عمه آزر بمنطق قوي وحجة بالغة، إثباتا منه لحقانية الله بالإتباع بدلا عن الأوثان التي لا تغني الذي يعبدها بشيء، خصوصا وإن أهم بواعث عبادة الإنسان لربه هو باعث ما يتحصله منه من دعم وإسناد، بل من ضر ونفع، وإن شأت فقل من ربح وخسارة، ـ وهو ما نجده في كتب الكلام تحت عنوان العبادة من أجل دفع الضر المحتمل ـ ولسان حال النبي إبراهيم عليه السلام هو استفهامه الاستنكاري عما يعبد آزر من معبود لا يسمع ولا يبصر ولا يغنيه بشيء، ولأنه ـ آله آزر وما يعبده من أوثان ـ عاجز عن حل مشاكله الحسية، فكيف يمكنه أن يحل مشاكل من يعبده؟!
وفي هذا المقطع المفصلي من هذه الحوارية، ثمة توجه عقائدي عظيم، حيث يطالب النبي إبراهيم عليه الصلاة والسلام عمه آزر بضرورة أن يعبد ربا يمتلك القدرة على المنح والعطاء، بل ودفع الضر وجلب المنفعة لمن يعبدونه، وبالتالي حل مشاكلهم، ولا يكون ذلك إلا بسميع بصير عليم؛ يمكنه أن يدرك حاجات عباده ويلبيها وفقا لقوانين تحكم ذلك، وهو ما لا تستطيعه هذه الأصنام؛ لأنها فاقدة لكل ذلك، وفاقد الشيء لا يعطيه. 
واستمرار منه في إلقاء الحجة وتبيان ما خفي على آزر، استمر النبي إبراهيم عليه الصلاة والسلام في دعوة عمة آزر بالمنطق الواضح، خصوصا وأنه ـ آزر ـ قد خفي عنه ما اوتي لأبن اخيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام من علم ونبوة، ففي قوله: ((يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا))، إجهار من النبي إبراهيم عليه الصلاة والسلام بما اتوي من فضل الله، من علم ونبوة، مما لم يتحصل عليه آزر وبالتالي فأن ـ آزر ـ يجهل ما تعّلمه إبراهيم عليه الصلاة والسلام من الله جل شأنه وبالتالي فيا عم ـ والتعبير مجازي على لسان إبراهيم عليه الصلاة والسلام ـ إني صاحب الطريق السوي والمنهج المهتدي الذي لا عوج فيه ولا خلة، وما اريده منك إنما هو نجاة لك، لأن عبادة الشيطان ـ والعبادة هنا هي الإتباع والخضوع ـ ستوصلك لا محالة الى عذاب الرحمن لأن من كان وليه الشيطان، سيبلى لا محالة بالخسران الأبدي.
وعلى الرغم مما أتسمت به حوارية إبراهيم عليه الصلاة والسلام من هدوء ولين وحسنى، إلا إن رد آزر كان كرد كل المختال جلف، فقد توعد آزر النبي ابراهيم عليه الصلاة والسلام بالرجم وذلك بقوله: ((لَأَرْجُمَنَّكَ))؛ والرجم هنا اقسى انواع العقوبات (والحديث هذا في الأيام الأولى لدعوة النبي إبراهيم عليه الصلاة والسلام، أي قبل الجهر بها وتكسيره الاصنام ومن ثم تعرضه للحرق من قبل النمرود عليه لعائن الله.
ثم يتجاسر آزر أكثر من ذلك، ممعنا بقطع صلة الرحم مع أبن أخيه، وذلك من خلال مطالبته بالابتعاد عنه أبديا بالقول: ((اهْجُرْنِي مَلِيًّا))، إذ ما اصررت بدعوتي لما تعبد، وهذا يدل على انهزامية آزر، لأن وجود النبي إبراهيم عليه الصلاة والسلام بقرب آزر قد يسبب له توهين في العقيدة؛ وهو ما حدا به لطرده، وما ذلك إلا ضعف بحجة آزر فيما يعبد.
وعلى الرغم من قسوة ردود آزر للنبي إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وما صدر عنه من تهديد ووعيد، لم يأتي النبي إبراهيم بغير الحسنى من قول وفعل، فبمقابل غلظة وحدة آزر، جاءت كلمات النبي إبراهيم عليه الصلاة والسلام لتشي بالمحبة والسلام، بقوله: ((سَلَامٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ۖ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا))، ما يجعل من دعوته عليه الصلاة والسلام، دعوة سلمية ودية، خصوصا؛ وإن النبي إبراهيم عليه الصلاة والسلام يتوعد عمه آزر بالنار أو الغضب الإلهي او  غير ذلك مما يمكن أن يصدر ممن يحاجج في غير الحقيقة ولا يريد إصلاحا، إنما وعد عليه الصلاة والسلام عمه بالاستغفار عند ربه ((سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي)) غيمانا منه عليه الصلاة والسلام بكون ربه جل شأنه حفيا به ولا يرد له دعاء ولا استغفارا، ومن ثم قبل عليه الصلاة والسلام اعتزال عمه أزر؛ بناء على رغبة الأخير وقبولا بما طلبه منه، مع تأكيده على إن هذا الاعتزال لم يكن لضعف في عقدته عليه الصلاة والسلام؛ إنما لعدم أهلية عمه آزر لتقبل الحقيقة، بل إن اعتزاله يستبطن اعتزالا لما يعبد آزر من دون الله الحق: ((وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىٰ أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا)).

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م