2 شوال 1446 هـ   31 آذار 2025 مـ 2:12 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | أفكار ونظريات |  عقلانية الإيمان
2025-02-24   243

عقلانية الإيمان

علي العزّام الحسيني

 

ترمي التوجهات المادية والمذاهب الإلحادية؛ قضية الإيمان بالعاطفية المشاعرية، وهي بعدُ خِرقة من الأساطير البالية والخرافات الماضية ومن ثمّ لا تتصل بالعقل بنسب، ولا بالعقلانية بقرابة؛ من أجل ذلك ستفصح هذه المقالة المختصرة عن أربعة من الأسس والركائز العقلية والعقلانية التي يقوم عليها إيمان المؤمنين بالخالق العظيم. 

وقبل البدء بها، أنبّه إلى أنّ بعض هذه الأسس عقلي صرف، وبعضها الآخر عقلاني(عقلائي)، وليس من الخطأ الاصطلاحي وسم الجميع بالعقلانية؛ لأنّ كل حكم عقلي فهو عقلائي يتبناه البشر ويطبقون عليه، فكان العنوان: (عقلانية الإيمان) صحيحًا، مطابقًا للمعنون:

 

الإيمان والمبدأ الذي لا يستغني عنه منكره:

غني عن البيان، أنّ مسألة الإيمان تقوم على مبدأ السببية، وأنّ مجمل أدلة وجود الله تبتني على قانون العلية، وهو من أكثر القوانين بداهة وأشدها وضوحًا لدى العقول، ولفرط بداهته ووضوحه أنّ منكره لا يستغني عنه في تبرير ردّه وتسويغ إنكاره!، فهل رأيت قانونًا غيره على هذه الشاكلة؟!. كتب السيد محمد باقر الصدر: «إنّ كلّ محاولة للاستدلال تتوقف على الايمان بمبدأ العلية، وإلا كانت عبثا غير مثمرٍ، وحتى الاستدلال على رد مبدأ العلية، الذي يحاوله بعض الفلاسفة أو العلماء، يرتكز على مبدأ العلية أيضا؛ لأنّ هؤلاء الذين يحاولون إنكار هذا المبدأ، والاستناد في ذلك إلى دليل؛ لم يكونوا يقومون بهذه المحاولة لو لم يؤمنوا بأنّ الدليل الذي يستندون اليه سببٌ كاف للعلم ببطلان مبدأ العلية، وهذا بنفسه تطبيق حرفي لهذا المبدأ» (فلسفتنا ص355).

 

والإيمان مؤسَّس على العلة الغائية:

فلسفيًا، تمثّل جوهر النزاع بين المذهب الإلهي وبين المذهب المادي في حصر الأخير العلة في المادية والصورية، بينما يضيف المؤلّهة قسمين آخرين للعلة، وهما العلة الفاعليّة والغائية للكون، فالمادية تثنّي الأقسام بينما تربّعها فلسفةُ الإيمان، والمثال الكلاسيكي لتوضيح للأقسام هو مثال الكرسي، إذ مادتُه الخشب، وصورته ما هو عليه من شكل واقعي تميّز به عن الطاولة والنافذة، والنجار فاعُله. وأما العلة الغائية وهي التي يعنينا أمرها هنا؛ فهي الفكرة في عقل النجار التي تسبق صناعة الكرسي، ثمّ تتجلى بوضوح في هندسته! يعبّر فولتير ببلاغته المعهودة عن عمق التفكير الغائي في الإنسان قائلًا: «قد لا أومن بأن الأنوف قد صُنعت؛ لتكون جسرًا مريحًا للنظارات، ولكني مقتنع بأنّها صُنعت لنشم بها، أليس من أبشع السخف والحماقات أنّ نؤكد أن العين لم تُصنع لِتُبصر، والإذن لتسمع، والمعدة لتهضم؟!». (قصة الحضارة ج 38 ص164).

 

إسقاط ذلك على العالم بدلاً عن الكرسي، يعني بالنسبة للماديين أنّ الكون خالٍ عن الفكرة، مجرّد عن المعنى، لا عقل فيه ولا روح، بلا غاية  ولا هدف، ولا جمال، ولا أي شيء آخر خارج عن المادة والطاقة!!، في المقابل، فإنّ القضية التي يرميها المذهب المادي بالخرافة والعاطفة؛ تستند في أصلها إلى مبدأين مرتكزين في بداهة العقول، وهما قانونا: السببية، والغائية، وإنّ هذين القانونين متى فُهما على كمالهما انتهيا إلى أسمى العقائد الدينية، عقيدتي التوحيد والخلود، وأنّ عقائد الشرك والوثنية والفناء إنّما هي وليدة ضرب من الغفلة أو الكسل العقلي يقف بها في بعض الطريق.( بحوث ممهدة في تاريخ الأديان، ص104).

 

الإيمان أساس القيم الأخلاقية:

هناك ملحدون على أخلاق، لكن لا يوجد إلحاد أخلاقي؛ والسبب هو أن أخلاقيات اللاديني ترجع في مصدرها إلى الدين، دين ظهر في الماضي ثم اختفى في عالم النسيان، ولكنه ترك بصماته قوية على الأشياء المحيطة، تؤثر وتشع من خلال الأسرة والأدب والأفلام والطرُز المعمارية... إلخ. لقد غربت الشمس حقًا، ولكن الدفء الذي يشعّ في جوف الليل مصدره شمس النهار السابق. ويشير بهذا الكلام صاحب كتاب: الإسلام بين الشرق والغرب(ص209) إلى ما يعرف بالحجة الأخلاقية، ويمكن إيجازها في مقدمتين: 1-هناك قيم مطلقة كالعدل والخير والحقّ، يحتكم إليها الناس في فكرهم وسلوكهم، فهم متفقون على حسن العدل وقبح الظلم. 2- القيم الأخلاقية لها مصدر، وتحتاج إلى ما يجعلها مطلقة، ففيها جانبان: أحدهما أنطولوجي يتعلّق بموجِدها، والآخر إبستملوجي، وهو المطلق الذي تستمد منه هذه القيم إطلاقها.

 

الإيمان ضرورة الاجتماعية:

كان جون لوك يرفض رفضًا قاطعًا التسامح مع الماديين الملحدين؛ معللًا ذلك بأنّ الوعد والعهد والقسم من حيث هي روابط المجتمع البشري ليس لها قيمة بالنسبة إلى الملحد، فإنكار الله حتى لو كان بالفكر فقط يفكك جميع الأشياء. (التسامح ص57). وينقل عن فولتير أنّه كان يقول: «لو لم يكن هناك دين لوجب اختراعه حتى تطيب الحياة؛ وبسببه لا تخونني زوجتي ولا يسرقني خادمي».

 

والخلاصة، فهذه الأسس تثبت بما لا يدع مجالا للشك أنّ قضية الإيمان بالله لا تقوم على عاطفة تسليمية أو خرافة وراثية، وإنما تبتني على جملة أسس بديهية وأصول عقلائية.

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م