2 شوال 1446 هـ   31 آذار 2025 مـ 2:09 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | مقالات  |  ماذا استفدنا من العقيدة الدينية؟
2025-02-23   248

ماذا استفدنا من العقيدة الدينية؟

علي العزام الحسيني

هذا السؤال في تقديري لا يختلف عن سؤال: ما فائدة الاعتقاد بكون الإنسان إنسانًا، وليس حجرًا أو حشرة مثلًا؟!، ولكي أبيّنَ مقصودي بأسلوب سلس يفهمه الجميع، يلزمني أن أمهّد له بثلاث خطوات:

الأولى- قضايا الدين قسمان: حقائق، وقيم:

1-   فالحقائق هي جميع القضايا التي تُخبر عمّا هو كائن في الواقع، وتتناول حقائق الوجود والعالم على ما هو عليه، كالإخبار عن وجود الخالق، وأنّه أصل الخلق، والوجود، منه بدأ وإليه يعود، وعن وجود الملائكة ووجود اليوم الآخِر، وأنّ الإنسان مجزيٌّ بعمل الإحسان، مؤاخذ على الإساءة. إلخ، والمجال المخصص للبحث عن هذه القضايا؛ هو علم العقائد والإلهيات.

2-   والقيم، وهي التي تتناول ما ينبغي أن يكون عليه الواقع من أجل سعادة الإنسان، ومردّ تلك القيم إلى الخيرات والمصالح، وإبعاد الإنسان عن الشرور والمفاسد، والمجالان المعنيان ببلورة هذه القيّم هما الفقه والأخلاق، فالفقه يقوّم السلوك الخارجي للإنسان عبر الأوامر والنواهي، فيما الأخلاق تعنى بالبناء الداخلي فيه، وترسيخ قيم الفضيلة وبناء الملكات الحسنة.

والحاصل، في الدين حقائق، وهي الإخبار عمّا هو كائن، وفيه أيضًا منظومة قيمية تشريعية، ولا شيء في الدين لا يرجع إلى ذينك القسمين.

الثانية- علاقة بين الحقائق والقيم:

لو نظرتَ إلى العبارة التالية: (ستمطرُ السماءُ، فعليك احضار المظلّة) ستجدها مشتملة على جملتين: الجملة الأولى: (ستمطرُ السماءُ) وهي تعبّر عن حقيقة كائنة، وتُخبر عن شيء واقع، وتحكي أمرًا متحقّقًا، وتنقل وحسب ما هو موجود أو سيوجد، دون أن تساهمُ في صنعه وإيجاده، وإنّما قامت بتوصيفه وكشفه لا غير، رغم ذلك، لم يكن هذا الإخبار خاليًا من الأثر، مجردًا عن التداعيات، فمما ترتّب عليه هو ما عبّرت عنه الجملة الثانية: (عليك احضار المظلّة) لتنقلنا من الحقيقة الواقعة إلى القيمة التي تترتّب عليها، ومن الواقع الفعلي الكائن إلى الواقع المثالي الذي يجب أن يكون.

من هنا، كانت الصلة بين الحقيقة والقيمة صلة وثيقة، من حيث تأثر القيم واختلافها شكلًا ومضمونًا على حسب الحقيقة، فعلى سبيل المثال: من يكذّب بالدين، ولا يرى واقعًا لرب العالمين، ولا يؤمن بيوم الحساب؛ فجميع القيم المنسجمة مع هذا الاعتقاد ستكون قائمة على المنفعة الشخصيّة، وحُق لعقله أن "يفضّل تدمير العالم بأسره على أن تخدش إصبعه" -مثلما يقول ديفيد هيوم- ومن ثمّ ينتفي الدافع لمساعدة المسكين، بل مقتضى الانسجام والوفاء لتلك الرؤية هو وجود دافع للسطو على مال الآخرين، ولو كانوا يتامى صغار، ولهذا أعقب الله تعالى الآية الأولى من سورة الماعون: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ}؛ وفرّع عليها بفاء التفريع قائلًا سبحانه: { فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ، وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ}.

الثالثة- نصوص الدين خبرية وإنشائية:

الأصل أن يتمُّ التعبير عن الحقائق بواسطة جمل خبريّة، في مقابل الجمل الإنشائية التي تصاغ تعبيرًا عن القيم، فالجملة التي عبّرت عن حقيقة مطر السماء كانت جملة خبريّة: (السماء تمطر)، بينما الجملة التي عبّرتْ عن وجوب احضار المظلّة كانت جملة انشائيّة: (عليك احضار المظلّة)، إذن، الأصل في الحقائق أن يتمّ التعبير عنها بجمل خبريّة، على العكس من القيم فإنّها تصاغ بعبارات انشائية: أي بأمرٍ، أو نهي أو ما أشبه ذلك.

والفارق الجوهري بين الصنفين أنّ القضايا الخبرية: (مثل: السماء ممطرة) يمكن التحرّي من صحتها أو عدم صحتها، فإن طابقته كانت صحيحة، وإن خالفته كانت باطلة. على العكس من ذلك تمامًا: الجمل الإنشائية بما هي تعبير عن معنى يراد تحقيقه وإيجاده من خلالها، فجملة(مثل: يجب عليك احضار المظلّة) لا يقال لها: صائبة أو غير صائبة؛ لسبب بسيط، وهو أنّها من الأساس ليست تعبيرًا عن الواقع حتى يتمّ التحقّق من صدقها، وإنّما صيغت وأُنشئت بهدف امتثال مدلولها، وإيجاد مضمونها، أن تقوم بإحضار المظلّة، لا غير؛ ولهذا عرّف المنطقيّون بأنّه ما يصح أن نصفه بالصدق أو الكذب، في حين لا توصف الجمل الإنشائية بالصدق أو الكذب.

في ضوء ما تقدّم، فدائرة السؤال عن فائدة العقيدة الدينية ينحصر في حدود ما أخبر به الدين من حقائق، وهي المعبّر اصطلاحًا بالعقائد الكبرى وأصول الدين، ومن الناحية المنطقية، لا يقع السؤال عن مدى الانتفاع من الخبر، وفائدة الاعتقاد به، وإنّما يُسأل عن الخبر وبحكم تعريفه: هل هو صادق أم لا ؟!، وهل ما قدّمه الدين بعنوان الحقائق، مطابقة للواقع أم لا؟!، وميدان البحث في هذا المجال وإثبات الحقائق الكبرى في الدين هو علم الكلام والعقيدة.

 

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م