5 شوال 1446 هـ   4 نيسان 2025 مـ 7:07 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

2025-03-30   48

عقيدة واحدة واعتقادات متعددة: كيف نفهم التنوع العقدي؟


الشيخ معتصم السيد أحمد 
الاختلاف بين البشر حقيقة لا يمكن إنكارها، وخاصة في ما يتعلق بالاعتقادات الدينية. هذا التنوع العقدي يعود إلى طبيعة التفكير البشري التي تتأثر بعدة عوامل متداخلة، مثل البيئة، والثقافة، والوراثة، والمحيط الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. ومن يدرس تاريخ الأديان والمذاهب يجد بوضوح كيف أن هذه العوامل قد لعبت دوراً رئيسياً في تشكيل المعتقدات المختلفة عبر العصور.

مع ذلك، ورغم هذا التعدد الظاهر، فإن العقيدة في جوهرها ليست قابلة للتعدد، بل هي تعبير عن حقائق واقعية ثابتة مثل الإيمان بوجود الله واليوم الآخر والنبوة والكتب السماوية. فهذه المسائل ليست خاضعة للأهواء أو المتغيرات المجتمعية، وإنما تستند إلى حقائق موضوعية قائمة بذاتها. ومن هنا، كان بعث الأنبياء والرسل ضرورة إلهية لتوجيه البشرية نحو العقيدة الصحيحة، لأن العقل الإنساني، وإن كان قادراً على الاستدلال، إلا أنه معرض للتأثر بالعوامل الذاتية والخارجية التي قد تصرفه عن الحقيقة.

أسباب الاختلاف في العقيدة
الإسلام، وهو الدين الذي جاء ليهدي البشرية نحو الحقيقة، حذَّر من المنهجيات الظنية التي تؤدي إلى انحراف العقيدة، وشدد على ضرورة تحصيل الإيمان بالدليل العقلي والبرهان القاطع. فالاعتقاد الصحيح لا يكون وليد التلقين أو التبعية العمياء، بل يستند إلى المعرفة القائمة على الأدلة اليقينية التي تضمن انسجام العقيدة مع المنطق والواقع. وهذا ما نجده في الآيات الكريمة التي تنتقد اتباع الظن والتقليد الأعمى، حيث يقول تعالى في وصف من انحرفوا عن الحق: "وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ" (النساء: 157)، وفي موضع آخر: "وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْـٔاً" (النجم: 28).

إلى جانب الظن، فإن التقليد المجتمعي أيضاً يشكل أحد أهم الأسباب التي تعيق الإنسان عن الوصول إلى العقيدة الصحيحة. فالتنشئة الاجتماعية تلعب دوراً كبيراً في توجيه الأفراد نحو اعتقادات معينة دون تمحيص، مما يجعل الفرد يستبطن مفاهيم موروثة دون أن يتحقق من صحتها أو يختبر مدى انسجامها مع العقل والفطرة السليمة. وقد أشار القرآن إلى هذه الظاهرة في قوله تعالى: "وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلَا يَهْتَدُونَ" (البقرة: 170). إن التلقين المجتمعي يولد نوعاً من الركود الفكري، حيث يصبح الإنسان غير قادر على التحقق من صحة ما يعتقده، مكتفياً بما تلقاه عن أسرته ومجتمعه.

بالإضافة إلى ذلك، تلعب الأمراض النفسية والاجتماعية دوراً في تشكيل العقائد المنحرفة. فالاستكبار والأنانية قد يكونان عائقاً أمام قبول الحق، إذ أن الإنسان إذا شعر بتفوقه الذاتي واعتقد أنه في غنى عن البحث عن الحقيقة، فإنه يغلق على نفسه أبواب الهداية. وهذا ما حدث مع قوم عاد، حيث قال تعالى عنهم: "فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً" (فصلت: 15). فالاعتداد بالنفس والتفاخر بالقوة قد يجعل الإنسان متشبثاً باعتقاداته حتى وإن كانت خاطئة، لأنه لا يريد الاعتراف بوجود ما هو أسمى منه أو بأن طريقه بحاجة إلى تصحيح.

وكذلك العناد ورفض الاستماع للحجج العقلية يؤدي إلى الإصرار على الضلال، حتى لو كانت البراهين واضحة وقوية. فالإنسان عندما ينغلق على رأيه، فإنه يعطل أدوات التفكير السليم، وهذا ما أشار إليه القرآن في حديثه عن قوم نوح الذين كانوا يسدون آذانهم حتى لا يسمعوا دعوة نبيهم، كما قال تعالى: "وَإِنِّى كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُواْ أَصَـبِعَهُمْ فِي ءَاذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ ٱسْتِكْبَاراً" (نوح: 7). وهنا نجد أن الانحراف عن العقيدة الصحيحة لم يكن بسبب نقص الأدلة، بل بسبب حالة من العناد والاستكبار جعلتهم يرفضون مجرد الإصغاء للحقيقة.

ولا يمكن إغفال تأثير المصالح الشخصية في توجيه العقائد، فالإنسان قد يختار التمسك بعقيدة معينة لأنها تخدم مصالحه أو تمنحه امتيازات اجتماعية أو مادية. وهذا ما نجده في سلوك بعض زعماء الأقوام الذين رفضوا دعوات الأنبياء، ليس لأنهم كانوا يجهلون الحقيقة، بل لأنهم كانوا يدركون أن الإيمان بالحق سيجردهم من السلطة والنفوذ. ولهذا نجد أن القرآن يؤكد على أن بعض الكافرين كانوا يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم، لكنهم أنكروا اتباعه لمجرد تعارضه مع رغباتهم ومصالحهم.

وعليه، فإن الاختلاف في العقيدة لا يعود إلى نقص في الأدلة أو غموض في الحقيقة، بل هو نتاج لمجموعة من العوامل النفسية والاجتماعية والبيئية التي تؤثر في طريقة تفكير الإنسان وتمنعه من الوصول إلى العقيدة الصحيحة. ولو تحرر الإنسان من قيود التقليد والهوى والمصالح الضيقة، وحكَّم عقله بإنصاف وتجرد، لما كان هناك اختلاف في العقيدة، بل لاهتدى الجميع إلى الحق الواضح الذي جاء به الإسلام.

العقل كوسيلة للوصول إلى الحق
لأن العقيدة الحقة تعبر عن واقع ثابت، فإن الإسلام قد جعل العقل وسيلة رئيسية للوصول إليها، وأمر الإنسان بالتحاكم إلى البرهان والدليل. وقد ورد في القرآن أكثر من 49 مرة دعوة مباشرة لاستخدام العقل، مثل: "لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ"، "أَفَلَا تَعْقِلُونَ"، "إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ"، وهي إشارات واضحة إلى أن الإيمان الحق لا يكون إلا عن وعي وإدراك.

ولهذا السبب، أكد علماء الإسلام على حرمة التقليد في العقائد، وضرورة أن يكون الإيمان قائماً على القناعة العقلية المبنية على الأدلة القطعية. يقول تعالى: "تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ" (البقرة: 111)، مما يدل على أن العقيدة يجب أن تكون مستندة إلى دليل واضح وليس مجرد امنيات.

بين التعدد الظاهري والحقيقة الواحدة
رغم أن الحقيقة العقدية واحدة، إلا أن التعدد في العقائد واقع لا يمكن إنكاره بسبب العوامل النفسية والاجتماعية والسياسية والثقافية. فكل فرد يولد في بيئة معينة تؤثر في تشكيل وعيه وفهمه للحقيقة، مما يؤدي إلى تبني اعتقادات مختلفة. وهذا التعدد يفرض على البشر التعايش مع بعضهم البعض في ظل مجتمع متنوع، حيث لا يمكن لأي فرد أو جماعة فرض رؤيتهم على الآخرين بالقوة، بل ينبغي أن يكون الحوار والتفاهم أساس التعامل مع هذا التنوع. وهنا يبرز السؤال: كيف يمكن التعامل مع هذا التنوع؟

أولاً، يجب الاعتراف بأن العقيدة مسألة فردية، وأن لكل إنسان حرية البحث والوصول إلى الحقيقة وفقاً لقناعته. فقد قرر القرآن هذا المبدأ في قوله تعالى: "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ" (البقرة: 256). وحتى الأنبياء لم يُجبروا الناس على الإيمان، بل كانوا يدعونهم بالحكمة والموعظة الحسنة، كما قال تعالى: "أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ" (هود: 28). وهذا يؤكد أن الإيمان لا يمكن أن يكون بالإكراه، بل يجب أن يكون قائماً على الاقتناع الذاتي.

ثانياً، يجب التفريق بين الاعتقاد كحقيقة مطلقة، وبين ضرورة التعايش مع التنوع العقدي. فالمجتمعات البشرية تتشكل من أفراد يختلفون في آرائهم وتوجهاتهم، وفرض الاعتقاد بالقوة لا يؤدي إلا إلى المزيد من الانقسامات والصراعات. ولهذا نجد أن الإسلام أسس مبدأ التعايش السلمي بين الأديان والطوائف المختلفة، حيث تعامل مع التنوع العقدي بواقعية، ووضع أطر تحترم حقوق الجميع، مع استمرار الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة.

ثالثاً، ينبغي العمل على نشر الوعي العقدي من خلال الحوار القائم على البرهان، وليس المجادلات العقيمة التي تعتمد على العواطف أو العصبيات. فالإسلام عندما واجه المخالفين لم يطالبهم إلا بالاحتكام إلى الدليل العقلي، وهذه هي الوسيلة المثلى لتحقيق التقارب بين البشر. فقد كرر القرآن الكريم دعوته إلى التعقل والتفكر مراراً، وجعل العقل هو الحاكم في القضايا العقائدية، بعيداً عن الانفعالات والمواقف المسبقة. فالحوار المبني على العلم والمنطق هو السبيل الأنجح لتوضيح الحقائق والوصول إلى قناعات سليمة، دون أن يؤدي ذلك إلى التنازع أو الصراع.

خاتمة

التعامل مع التنوع في الاعتقاد يجب أن يكون قائماً على مبدأ احترام حق كل فرد في البحث عن الحقيقة، مع التأكيد على أن العقيدة الصحيحة واحدة ولا تخضع للاختلاف. وإذا ارتقى الإنسان بعقله بعيداً عن الأهواء والتأثيرات الخارجية، فإنه سيتوصل إلى الحقيقة التي توصل إليها الأنبياء وأوصياء الله. لذلك، فإن الحل يكمن في تعزيز العقلانية، والابتعاد عن الظنون، وإقامة الحوارات الفكرية الهادفة التي تقود البشرية إلى نور الهداية بعيداً عن التعصب والانغلاق الفكري.

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م