

| الإسلام ... حياة | الصلاح والإصلاح: منهج الإسلام في بناء الحياة
2025-03-30 57

الصلاح والإصلاح: منهج الإسلام في بناء الحياة
الشيخ معتصم السيد أحمد
يمثل الصلاح الغاية النهائية التي
يسعى الإنسان إلى تحقيقها، إذ يشكل الأساس الذي تقوم عليه جميع
القيم والمبادئ التي توجه مسيرته في الحياة. فكل فضيلة يُنظر إليها
على أنها ذات قيمة إنما تستمد قيمتها من مدى ارتباطها بالصلاح
وقدرتها على تحقيقه. فالعلم، على سبيل المثال، لا يكون مطلوباً
لذاته فحسب، بل تكتمل أهميته عندما يكون وسيلة لنشر الخير والمعرفة
والإصلاح في المجتمع. والعدل، رغم كونه مبدأً أساسياً في التشريعات
والقوانين، إلا أن قيمته تكمن في كونه أداة لتحقيق الصلاح وضمان
استقامة الأمور في حياة الناس. والرحمة، التي تعد من أسمى الصفات
الإنسانية، لا تكتسب معناها الكامل إلا عندما تؤدي إلى بناء مجتمع
يسوده التراحم والتعاون، مما يؤدي بدوره إلى تحقيق الصلاح
والاستقرار.
وبهذا الفهم، فإن الصلاح لا يكون
مجرد قيمة مستقلة، بل هو الجوهر الذي تدور حوله جميع القيم، وهو
الهدف النهائي الذي تصب فيه جميع المبادئ الأخلاقية والاجتماعية.
فالإنسان في سعيه لتحقيق الكمال، سواء على مستوى شخصي أو اجتماعي،
لا ينشد شيئاً سوى الصلاح، لأنه يمثل حالة الانسجام والتوازن التي
تضمن له حياة كريمة ومستقرة. وهذا ما يجعل كل حركة في اتجاه الإصلاح
ضرورة حتمية، إذ لا يمكن لأي فرد أو مجتمع أن يحقق السعادة
والاستقرار إلا إذا كان يسير ضمن منظومة قوامها الصلاح في الفكر
والسلوك والعلاقات.
ولأن الإصلاح نقيض الفساد، فإن
حركة الإنسان في الحياة يجب أن تكون دائماً في اتجاه الإصلاح، لأن
الفساد لا يؤدي إلا إلى الخراب والدمار، سواء على المستوى الفردي أو
المجتمعي. فمن يسعى إلى تحقيق الصلاح والإصلاح يضمن لنفسه طريق
السعادة في الدنيا والآخرة، كما يؤكد القرآن الكريم ذلك بقوله:
"مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ
فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ
أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" (النحل/ 97).
فالعمل الصالح لا يُنظر إليه في الإسلام على أنه مجرد سلوك فردي
محمود، بل هو أساس لفلسفة الإسلام العامة، حيث يرتبط مباشرة بتحقيق
الإصلاح في مختلف جوانب الحياة.
ولذلك، لم يجعل القرآن الصلاح
والإصلاح مجرد عوامل مساعدة لحياة أفضل، بل وضعهما في صميم الحياة
الطيبة في الدنيا، وربطهما أيضاً بالنعيم الأبدي في الآخرة. فكما أن
الإنسان الذي يسير في طريق الإصلاح يحيا حياة مطمئنة ومستقرة في
الدنيا، فإنه كذلك يحصد ثمار عمله الصالح في الآخرة، حيث يقول الله
تعالى: "وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي
رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ
ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ" (الشورى/ 22). فالإصلاح ليس مجرد
سلوك مرحلي، بل هو منهج حياة يحقق للإنسان توازناً روحياً ومادياً،
ويضمن له سعادة حقيقية تتجاوز حدود الدنيا إلى دار
القرار.
وعلى هذا الأساس، فإن الإنسان
مسؤول عن الحفاظ على الصلاح في الأرض وعدم السماح للإفساد أن ينتشر،
قال تعالى: "وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا"
(الأعراف/ 56)، كما أن رسالة الأنبياء والرسل جميعاً كانت قائمة على
تحقيق الإصلاح في المجتمعات البشرية، وهو ما جاء في قوله تعالى:
"يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ
يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا
خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ" (الأعراف/ 35).
شمولية الإصلاح في الإسلام
شمولية الإصلاح في الإسلام تتجلى
في كونه مشروعاً متكاملاً لا يقتصر على جانب دون آخر، بل يشمل كل
أبعاد الحياة الإنسانية. فهو يبدأ بإصلاح النفس، حيث يُطلب من
الإنسان أن يزكي نفسه ويهذب أخلاقه ويقوّم سلوكه، لأن الفرد هو
اللبنة الأساسية في بناء المجتمع الصالح. ثم يتسع نطاق الإصلاح
ليشمل الأسرة، باعتبارها الوحدة الأولى في المجتمع، فتُبنى على أسس
المودة والرحمة والتكافل، لتكون منطلقاً لتنشئة الأجيال على القيم
الفاضلة. ومن إصلاح الأسرة، يمتد الإصلاح إلى المجتمع بأسره، من
خلال تعزيز مبادئ العدل والتعاون والتكافل الاجتماعي، حتى يصبح
المجتمع متماسكاً ومستقراً.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل
يشمل الإصلاح أيضاً النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لأن أي
خلل في هذه الجوانب ينعكس سلباً على حياة الأفراد واستقرار المجتمع.
وعلى هذا الأساس، لا يمكن أن يُفهم الإسلام على أنه مجرد طقوس
وشعائر دينية منفصلة عن واقع الحياة، بل هو منهج إصلاحي شامل يتناول
كل ما يتعلق بالوجود الإنساني، بما يحمله من قيم ومبادئ وحِكم تسعى
إلى تحقيق العدالة والازدهار.
ومن هنا، فإن الإصلاح السياسي
والاقتصادي والاجتماعي ليس مجرد تفصيلات ثانوية أو أمور اجتهادية
يمكن الاستغناء عنها، بل هي أركان أساسية في رسالة الإسلام.
فالإسلام جاء ليكون نظاماً متكاملاً يُصلح حياة الإنسان في كل
مستوياتها، ويقيم مجتمعات قائمة على العدل والاستقامة، ويضمن
توازناً بين متطلبات الروح والجسد، وبين الحقوق والواجبات، وبين
الفرد والمجتمع، وبين الدنيا والآخرة. وكل محاولة لفصل الإسلام عن
هذه الأبعاد تؤدي إلى فهم ناقص ومبتور لحقيقته، لأنه ليس ديناً
منعزلاً عن الواقع، بل هو رسالة للحياة، تهدف إلى بناء الإنسان
والمجتمع على أسس الحق والخير والصلاح.
الإصلاح في الفكر الشيعي
الإصلاح في الفكر الشيعي ليس مجرد
موقف سياسي أو اجتماعي، بل هو جزء من العقيدة والمبادئ التي تأسس
عليها مذهب أهل البيت (عليهم السلام). فمنذ البدايات الأولى
للإسلام، كان الشيعة في طليعة الحركات المناهضة للظلم والفساد،
مؤمنين بأن الإسلام جاء ليقيم العدل ويُصلح أحوال الناس، لا ليكون
أداة بيد الطغاة والمتسلطين. ولهذا، لم يكن موقفهم من الحكام
الجائرين مجرد معارضة شكلية، بل كان امتداداً لروح الإسلام الحقيقية
التي تأبى الاستسلام للفساد والانحراف عن مبادئ الحق.
وقد تجلى هذا النهج الإصلاحي بأوضح
صوره في ثورة الإمام الحسين (عليه السلام)، التي لم تكن مجرد حركة
سياسية لمنازعة السلطة، وإنما كانت مشروعاً متكاملاً لإعادة الأمة
إلى مسارها الصحيح، بعد أن انحرفت عن تعاليم الإسلام الحقيقية. فقد
أعلن الإمام الحسين (عليه السلام) بكل وضوح أن هدفه من الخروج ليس
السعي وراء الحكم أو تحقيق مكاسب دنيوية، وإنما هو الإصلاح، فقال في
بيانه الشهير: "إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً،
وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي". وهذا الإعلان يعكس حقيقة جوهر
النهضة الحسينية، التي كانت ثورة على الظلم، وتصحيحاً لمسار الأمة،
وإحياءً لقيم العدل والحرية والكرامة.
ولم تقتصر هذه الروح الإصلاحية على
زمن الإمام الحسين (عليه السلام)، بل بقيت متجذرة في الفكر الشيعي
على مر العصور. فالثورات التي عُرفت بـ"الثورات العلوية" كانت كلها
امتداداً لخط الإصلاح الذي أسسه أهل البيت (عليهم السلام). فلم يكن
الشيعة يوماً طلاب سلطة، وإنما كانوا طلاب عدالة، وسعوا في كل مراحل
التاريخ لإقامة نظام يقوم على القيم الإلهية والمبادئ الإنسانية
الرفيعة.
وفي العصر الحديث، لا تزال هذه
الروح الإصلاحية حاضرة بقوة في وجدان الشيعة، حيث نراهم في طليعة
الحركات التي تنادي بإصلاح الأنظمة السياسية الفاسدة، وتعمل على
تحقيق العدالة الاجتماعية، ومكافحة الفساد الاقتصادي، انطلاقاً من
إيمانهم العميق بأن الإسلام ليس مجرد مجموعة من الطقوس، وإنما هو
منهج حياة متكامل، جاء ليقيم العدل في الأرض، وينصر المظلومين،
ويحقق الإصلاح في كل المجالات. ولم يقتصر جهادهم على مقاومة
الاستبداد الداخلي، بل امتد إلى مواجهة الاستكبار العالمي والقوى
التي تسعى للهيمنة على مقدرات الشعوب ونهب ثرواتها. فقد كان للشيعة
دور بارز في التصدي للمشاريع الاستعمارية والمؤامرات التي تستهدف
العالم الإسلامي، وفي مقدمتها الصهيونية العالمية التي تسعى لطمس
هوية الأمة وسلب حقوقها، فكانوا دائماً في مقدمة القوى المقاومة
لهذه المخططات، يقدمون التضحيات في سبيل تحرير الأرض وصون الكرامة
والدفاع عن المستضعفين.
خاتمة
إن الصلاح والإصلاح ليسا مجرد قيم
عابرة، بل هما جوهر الفلسفة الإسلامية التي تقوم عليها الحياة
السعيدة في الدنيا والآخرة. ولأن الفساد والإصلاح نقيضان لا
يلتقيان، فإن مسؤولية الإنسان تكمن في أن يكون دوماً في صف الإصلاح،
سواء في نفسه أو في مجتمعه.
وإذا كان الأنبياء والرسل قد جاؤوا برسالة الإصلاح، فإن على أتباعهم أن يكونوا حملة هذه الراية في كل زمان، لا أن يكتفوا بالشعارات الفارغة أو المظاهر الدينية المنفصلة عن الواقع. فالإسلام لا يُفهم إلا بكونه مشروعاً حضارياً شاملاً، غايته تحقيق الإصلاح في كل مجالات الحياة، ليعم الخير والعدل على جميع البشرية.
الأكثر قراءة
29924
19132
14542
11213