4 شوال 1446 هـ   3 نيسان 2025 مـ 11:54 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | أفكار ونظريات |  خلق العالم: بين نصوص الإسلام وتأملات الحكماء
2024-12-28   945

خلق العالم: بين نصوص الإسلام وتأملات الحكماء

باسم الحلي

ستيفن هوكينغ، عالم الفيزياء النظرية والكونيات، في كتابه "تاريخ موجز للزمن" يقول: «إذا اكتشفنا نظرية كاملة، فإنها ستكون في متناول الجميع، وليس فقط عددًا قليلاً من العلماء. عندها سنتمكن جميعًا، فلاسفة وعلماء وبشر عاديين، من المشاركة في مناقشة السؤال عن سبب وجودنا ووجود الكون».


في كل لحظة تتأمل فيها عظمة الكون واتساعه، من الكواكب السابحة في الفضاء إلى التفاصيل الدقيقة للذرة، ينبثق سؤال فطري في قلب الإنسان: لماذا خُلق هذا العالم؟ ما الغاية من وجودنا في هذا الكون الفسيح؟ هذا السؤال العميق طالما أرق الفلاسفة والعلماء، من مؤمنين وملحدين مثل ريتشارد دوكينز، الذي ذكر في كتابه "وهم الإله": «الكون الذي نلاحظه يمتلك بالضبط الخصائص التي نتوقعها إذا لم يكن هناك تصميم، لا غاية، لا شر ولا خير، لا شيء سوى اللامبالاة العمياء والقاسية».

 وعليه ستختلف الإجابة عن سؤال الغاية بناء على الموقف من وجود الله تعالى. ونحن في هذه المقالة لسنا بصدد مناقشة أصل وجود الله سبحانه من عدمه، وإنما أردنا الإلماع الى أن سؤال الغاية من الأسئلة الوجودية الكبرى التي لا يمكن لإنسان أن تكون له رؤية كونية معينة من دون الإجابة عنها؛ لذا سيقتصر كلامنا وفق رؤية المؤمن بوجود إله خالق حكيم لهذا الكون بناء على عظمته ودقته، والحكيم لا يعبث ولا يلهو (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا..)، المؤمنون: 115.


وقد اختلفت الأنظار في معرفة الغاية ويمكن رصد نظريتين رئيستين لعلماء الإسلام، الأولى لعلماء الكلام والعقيدة وهي مستندة للنصوص القرآنية الشريفة التي تبين بأن كمال الإنسان يتحقق في الإيمان والعمل الصالح، قال تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ)، ص: 27 ـ 28. فالإيمان والعمل الصالح هما الجناحان اللذان يطير بهما العبد لقمم الكمال والقرب الإلهي، والغاية أن يصل العبد في جانب الإيمان الى كمال معرفته تعالى، وقد أشارت الآية الكريمة لذلك بقوله تعالى: (اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا). كما أن الغاية أن يصل في جانب العمل الى العبودية المحضة، كما في وقله تعالى: )وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ( .


وقد ورد في الكافي لبيان أنّ الغاية هي المعرفة والعبادة والنعيم، ما أسنده الكليني، عن الحارث الأعور، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: «ابتدأ ما أراد ابتداءه، وأنشأ ما أراد إنشاءه على ما أراد، من الثقلين الجن والإنس؛ ليعرفوا بذلك ربوبيته، وتمكّن فيهم طاعته...، من يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً، ونالَ ثواباً جزيلاً». الكافي (ت: علي أكبر غفاري) 1: 141. باب الروح.


قوله: (ليعرفوا بذلك ربوبيته، وتمكّن فيهم طاعته) صريحٌ في مجموع الأمرين: المعرفة والعبادة، كما يشهد لذلك ايضاً ما أخرجه الصدوق في العلل، بإسناده عن سلمة ابن عطاء، عن أبي عبد الله عليه السلام: قال: «خرج الحسين بن عليّ عليهما السلام، على أصحابه فقال: أيّها النّاس، إنّ الله جل ذكره ما خلق العباد إلّا ليعرفوه، فإذا عبدوه أستغنوا بعبادته، عن عبادة من سواه...». علل الشرائع : 9. باب 9: علّة خلق العالم.


وهذه النظرية على قوتها ومتانتها تواجه إشكالاً مهماً وهو أننا وإن سلمنا بهذه الغايات إلا أنها ليست الغايات الرئيسة لخلقه تعالى العالم، بل هي في طولها، لأنه يبقى السؤال: لماذا يريد الله أن يعرفه الخلق أولاً، وليعبدوه ثانياً، لماذا يفعل ذلك سبحانه، مع أنّه غنيٌّ -غنىً محضاً- عن كلّ ذلك؟!.


من هنا يأتي دور النظرية الثانية وهي للفلاسفة، فقالوا-واللفظ لي-: اللهُ سبحانه وتعالى يحبّ كمال ذاته، وهذا بديهي؛ كون ذاته عين الجمال والكمال والجلال.


ولأنّه يحبّ ذاته؛ فإنّه بالبديهة أيضاً، يحبُّ ما يجسّد ذلك من كمال أفعاله خارجاً؛ لذلك خلق العالم؛ لأنّ أفعاله ترجمان كمال ذاته؛ فهي ظل كمال ذاته، وشعاع جماله، وسراج جلاله، ونور خيرته الصرفة، وقدرته اللامتناهية، وحكمته المحضة.

نظير ابتهاج الرجل بأبنائه؛ كونهم تجسيد لكمال ذاته الرجوليّة، وجمال قدرته الذكوريّة، وجلال خيريته الأبويّة، وكذا ابتهاج الأم بأولادها.


ولنستوعب هذا جيّداً، حسبنا مثال إغاثة الحيوان العطشان!!

فلو مرّ النّاس، كافرهم ومؤمنهم، بكلب عطشان يكاد يهلك من الجوع أو العطش؛ فإنّهم يهرعون لسقيه وإطعامه بالفطرة، مع أنّ هذا لا يعود لهم بأيّ نفع مادّي متعارف، كما أنّهم إذا لم يغيثوه لا ينقص من ذواتهم شيئاً؛ إذن لماذا سقوْه وأطعموه؟!!.


وكذلك، لو رأى جلّ البشر إنساناً يغرق، فإنّهم يسرعون لإنقاذه، مع أنّهم لو تركوه ولم ينقذوه، لم تنقص ذواتهم شيئاً، كما أنّ إنقاذهم له، لا يعود عليهم بأيّ نفعٍ مادي متعارف يذكر، إذن لماذا أنقذوه؟!!.

قال الحكماء: أنقذوه ابتهاجاً بما صدر عن ذاتهم من كمال وخير ورحمة.

كلّنا يعلم أنّ في ذات كلّ إنسان، جلّهم لا أقل، حبّ الخير، وحبّ تجسيده خارجاً؛ لكونه أعظم جمال وكمال وجلال، يمكن أنْ يدرك سعادته الحيّ، وهو الذي يطلق عليه الحكماء: الابتهاج. أو إدراك السعادة، أو إدراك الكمال والجمال، أو أدراك جمال الكمال، ما شئت فعبّر.

الحاصل: الله تعالى إنّما خلق الخلائق مع غناهم عنه، لأنّه مبتهجٌ بهم، كونهم تجسيدٌ لكماله خارجاً، من حيث أنّ ذاته عين الخير والقدرة على إفاضته، على ما تقتضيه حكمته؛ نظير إغاثة الملهوف وابتهاجه بذلك، مع غنى المغيث عن الإغاثة والمغاث.

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م