15 رمضان 1440 هـ   20 أيار 2019 مـ 12:35 مساءً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

2019-04-28   757

الوظائف الأساسية للإمام الذي سيخلف صاحب الرسالة

كنَّا قد وصلنا في مقالٍ سابقٍ إلى أنَّ التَّأمل في استعمالات العرب القدامَى، وكذلك الاستعمالات القرآنيَة لمفردة «الإمام» على مصاديقها، قد أوصلتنا إلى حقيقة أنّ هذه المفردة تحتوي على معنى مشترك عام بحيث صحَّ معه إطلاق هذا اللَّفظ على تلك المصاديق التي استعملت فيه، وهو ذاك المعنى الذي يحتوي في مفهومه جملة من المعاني من قبيل الاقتداء والإرشاد والاستعانة، بالنحو الذي يَصير فيه الشيء المتّحصِّل على هذه الميّزات هو المرجع والمرتكز المُعِين على البلوغ إلى المقصد المطلوب. 
وقلنا أنَّ هذا المعنى ينطبق على الأفراد البشريَّة، كما ينطبق أيضاً على غيره من العناصر التي لا حياة فيها، كالكتب والطرق والسبل ...إلخ. 
بقي لدينا أن نتوّجه بالكلام والبحث عن الحدود العامَّة للوظيفة المفترضة لمن سيخلُف الرَّسول الأكرم محمَّد صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وتصدق عليه أيضاً مفردة «الإمام»، وبعبارة أخرى ماهي تلك الحدود التي تشملها صلاحيات الإمام الذي سيخلف النَّبيَّ محمد صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، أو فلنقل بعبارة بسيطة في ماذا سَيَخْلُف الإمامُ النَّبِيَّ محمَّد صلَّى الله عليه وآله وسلَّم. 
وقبل الدخول في سبر ما سيفرزه لنا التّأمَّل، علينا الإشارة إلى أنَّه لو عدنا لتاريخ الأمَّة للبحث عن جواب سؤالنا المطروح، سوف نجد رأيين عامّين قد حَكَمَا على واقع الأمَّة الإسلاميَّة بمختلف مشاربها، وهما : 
الرأي الأول: أنَّ الإمام هو خليفة الرَّسول في إدارة واقع الأمَّة ومصالحها العامة «الوِلايَّة السياسيَّة»، بالإضافة لكونه الجِّهة المكلَّفة والمستحفظة على رعاية وصون جزئيّات ومحتويات الرِّسالة التي جاء بها النَّبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلم «الوِلايَّة الدينيَّة»، وبالتَّالي فهم يفترضون أنَّ الفرد الذي له هذه المهمَّة، لابد وأن يكون أعلم النَّاس بجزئيات الرِّسالة وما تحتويه من تفاصيل، وبالتبع لذلك فهم يرون ضرورة أن يكون الإمام معيَّنًا من قِبَل المولى تعالى ومصرَّحاً به من قِبَل النَّبيّ محمَّد صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، وبالتالي فقد أوجب أصحاب هذا القول طاعة الإمام شرعاً وحرمة الخروج عنه وعصيانه، وأصحاب هذا الرأي يتبنُّون هذا التقريب قولاً وعملاً، بحيث نجدهم عمليًّا قد رفضوا  عبر التاريخ كلّ مَن تصدَّى لقيادة الأمَّة ولم تتحقَّق فيه الشروط اللاَّزمة لهذه المهمَّة، وكذلك نلحظ تمسَّكهم في الاستعمال بلفظة «الإمام» أكثر من غيرها من الألفاظ، وهم الذين يعرفون الیوم بأتباع مذهب أهل البيت عليهم السلام، أو الشِّيعة، وكذلك تبعهم في عموم قولهم هذا مع اختلاف في بعض التفاصيل بعض أصحاب المذاهب الكلاميَّة المحسوبة على أهل السنَّة كالمعتزلة..... .
الرأي الثاني: أنَّ الإمام هو خليفة الرَّسول في إدارة واقع الأمَّة ومصالحها العامة «القيادة السياسيَّة»، بالإضافة إلى كونه مكلَّفًا بإقامة الدين بين أفراد الأمَّة وحفظه «القيادة الدينيَّة»، ولكنَّهم لا يفتضرون أن يكون صاحب هذه المهمّة أعلم النَّاس بالرَّسالة ومحتوياتها، بل يمكن أن يكون هناك من هو أعلم منه بالرِّسالة، وبالتالي فهم أيضاً لا يرون ضرورة في أن يكون الإمام معيَّناً ومُنصَّباً من قِبَل المولى تعالى أو الرَّسول الأكرم صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، بل يرون أنَّ النَّاس هم  الذين يختارونه من بينهم، استناداً على مبدأ الشورى، وكذلك أوجب أغلب أصحاب هذا القول طاعة الإمام أو الخليفة وحرمة الخروج عنه وعصيانه شرعاً، وأصحاب هذا الرّأي يستعملون في اصطلاحاتهم لفظة «الخليفة»أكثر من غيرها، وهم عموم ما يعرفون بأهل السنَّة والجماعة. 
وهنا نذكر بعض كلمات أعلام هذا القول، فقد ذُكر على لسان ابن فورَك فيما هو مكتوب بإملائه وهو حاكي لآراء الأشعري مانصُّه: «وكان يقول [الأشعري] أنَّ الإمامة هي خلافة الرَّسول في باب القيام مقامه من حيث إنفاذ الأحكام وإقامة الحدود، وجباية الخراج، وحِفظ البيضة، ونُصرة المظلوم، والقبض على أيدي الظالمين، من غير أن يكون إليه ابتداء شرائع وتغيير شرع، وإنَّما يكون في ذلك كواحد من الأمَّة، يقيم الحقوق على حسب ما دلَّت عليه آي الكتاب، والسُنن، وحصل اتِفاق الأمَّة، ومادلَّت عليه العقول بالقياس والاستنباط من هذه الأصول»(مجرّد مقالات الشيخ أبي الحسن الأشعري، محمد بن الحسن بن فورَك، ص 181) . 
وذكر «القاضي عضد الدِّين الإيجي» ما نصَّه: «والأولى أن يقال: هي خلافة الرَّسول في إقامة الدِّين بحيث يجب إتِّباعه على كافَّة الأمّة..... »( المواقف في علم الكلام، عبد الرحمان بن أحمد  الإيجي، ص 395) .
وذكر « ابن خلدون » في مُقَدِّمته بعد أن تحدّث باختصار عن أنحاء المناصب العامَّة، فقال ما نصُّه : «فهي [الخلافة] في الحقيقة خلافة عن صاحب الشَّرع في حِراسة الدِّين وسياسة الدُّنيا به، فافهم ذلك واعتبِرهُ فيما نورده عليك من بعدُ...»، وبعد أسطر يقول: «وإذْ قد بيَّنَّا حقيقة هذا المنصب، وأنَّه نِيَابة عن صاحب الشَّريعة في حفظ الدِّين وسياسة الدُّنيا به [ بالدين]، ويُسمى خلافةً وإمامةً، والقائم به خليفةً وإمامًا، وسمَّاه المتأخرون سُلطانًا حين فشا التَّعدُّد فيه، واضطَّروا بالتَّباعد وفُقدان شروط المَنصب إلى عقد البيعة لكلِّ متغلِّبٍ» ( مقدمة ابن خلدون، عبد الرحمان بن محمد، ج 1، ص 365-366) .
وكذلك وعند التّأمَّل في ما يطرحونه من كلام في خصوص هذا الأمر، نلحظ أنَّ كلماتهم تقود إلى كونهم يُقصرون في تصوَّرهم منصب الإمامة أو الخلافة بالجانب السياسي، بحيث تُصَوَّر كلماتهم الإمامة أو الخلافة على كونها منصباً سياسياً قيادياً بدرجة أكبر ممَّا هو منصب وموقع دينيّ، لذلك لا يشترطون الأعلميَّة برسالة الإسلام في من سيتصدَّى لهذا المنصب، وكذلك لا يشترطون أن يكون معيَّنًا من قِبَل صاحب الرِّسالة نفسه . 
وعليه، فلكيّ نتمكّن من رسم الحدود التي تَحُدُّ منصب الإمامة في العموم، وبالتالي تحديد مستويات وظائف الإمام، علينا العودة إلى البحث عن وظائف النَّبيَّ محمَّد صلَّى الله عليه وآله وسلَّم الذي سيخلفه الإمام ويستمرّ في القيام بمهامه بعد رحيله عن عالم الدُّنيا.
فالحقَّ أن تعريفات الإمام التي يطرحها أصحاب الرأيين السابقين، قريبة من بعضها البعض في عمومها، بحيث تكاد تكون متطابقة في عمومها، إلاَّ أنَّه وعند التأمّل في الجانب التطبقي الواقعي للإمام عند كلّ فريق، سنلحظ التفاوت الكبير بينهما بحيث نكون عند ذلك غير قادرين على رسم الحدود الواضحة المشتركة لمهام ووظائف الإمام بسهولة، وذلك لنتمكن في مرحلة ثانيَّة من تحديد تكاليف ونوع علاقة أفراد الأمَّة بمن سيتصدَّى لمنصب الإمام. 
فنحن لو عدنا بالتأمّل في الأدوار والوظائف والتكاليف الإلهيَّة العامَّة التي كُلِّف بها الرَّسول الأكرم محمَّد صلَّى الله عليه وآله وسلَّم باتفاق السواد الأعظم من الأمَّة، سنلحظ أنَّها على نحوين:
النحو الأول: هو تبليغ الرِّسالة من المولى تعالى إلى عموم النّاس حسب ما تقتضيه القُدرة والإمكان الواقعي، وهذا النحو تتفرَّع منه جملة أخرى من التكاليف الجزئية، وأيضًا فهذا النّحو من الوظيفة يتطلَّب من الرَّسول الأكرم صلَّى الله عليه وآله وسلَّم بالإضافة إلى بذل الجهد والقدرة المتطلِّبة هي الأخرى لجملة من الصِّفات الكماليَّة الخاصَّة التي يجب أن تتوفّر فيه، فهو يتطلَّب العلم والدِّراية الكاملة بتفاصيل الرِّسالة التي هو مكلَّف بايصالها. 
النحو الثاني: هو تعليم وتطبيق وتنزيل مفردات الرِّسالة من المستوى النظريّ إلى المستوى العمليّ التّطبيقيّ تحت إشرافه وقيادته بلحاظ كونه الأعلم بتفاصيل الرِّسالة، وهذا النحو يؤكّد أكثر من سابقه ضرورة أن يكون النَّبيّ محمَّد صلَّى الله عليه وآله وسلَّم مُحيطاً بتفاصيل محتوى الرِّسالة وعالماً بمبانيها وشعبها المختلفة، وكذلك اتصافه بتلك الصِّفات الكماليَّة المميَّزة له عن غيره.    
وبلحاظ أنَّ الرسالة الإسلاميَّة  تحتوي على منظومات عمليَّة تتعلّق وتنظّم حركة الفرد الخاصَّة، وأخرى تتعلّق وتنظّم عموم حركة الجماعة والأمَّة، فلابد وأنْ تكون حركة النَّبيّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وكذلك دوره ووظيفته التنزيليَّة التطبيقيَّة متعلِّقة بالمستويين الفردي والجماعي، لذلك وعند دراسة سيرة النَّبيّ محمد صلَّى الله عليه وآله وسلَّم سنلحظ بالإضافة لحركته التي يوضّح من خلالها لفظيَّاً وعملياً تلك المنظومات العباديَّة والحُكميَّة المتعلَّقة بالفرد البشري، فهو أيضًا تحرّك بعد الهجرة ـ عندما توفَّر الحد الأدنى من المقوّمات ـ إلى تأسيس الدّولة التي هي عبارة عن كيان اعتباريّ يتشكَّل بالأساس من الأفراد البشريَّة والمنظومات المنظّمة لحركة الإنسان الإجتماعيَّة، وكان هو المسيَّر والموجَّه والقائد فيها، وكذلك الواضع لأسسها ونظمها. 
وعليه، فنحن لو عُدنا إلى التأمَّل سنجد أنَّ دور ووظيفة التبليغ من المولى تعالى إلى النَّاس قد انتهت برحيل النَّبيّ محمَّد صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، وبالتَّالي فالحدّ المشترك بين أصحاب الرأيين السّابقين هو كون هذه الوظيفة لا تندرج في وظائف الإمام أو الخليفة الذي سيخلف الرَّسول بعد رحيله، وذلك لوضوح أنَّه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم لم يخرج من عالم الدُّنيا إلاَّ بعد أن أتمَّ ما تطلَّبته هذه الوظيفة، ويؤكّد هذه الحقيقة قوله تعالى ((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا))(المائدة ـ3)، حيث  يصرّح المولى تعالى بإتمام النعمة على النَّاس وذلك من خلال إكمال الدين لهم، والتصريح منه تعالى بإكمال الدين وختمه فيه كاشفيَّة واضحة على إتمام وظيفة التبليغ من طرف النَّبيّ محمَّد صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، وذلك بعد أن نُسلّم بأنَّه تعالى هو الرقيب على عمليَّة التبليغ. 
أمَّا النحو الثاني من الوظيفة والتي هي تعليم وتوضيح وتِبْيان جزئيّات وتفاصيل الرَّسالة وكذلك الإشراف وقيادة عمليَّة التنزيل والتطبيق لمفردات الرَّسالة، سواء كان ذلك التِّبيان والتوضيح من خلال الأفعال القوليَّة [التِّبيان النظري] أو السلوكيَّة [التِّبيان العمليّ التّطبيقيّ]، فهذه الوظيفة هي الثابتة للإمام الخليفة حسب ما يقتضيه تعاريف أصحاب القولين السابقين، سواء كانت هذه الوظيفة متعلِّقة بحركة الفرد أو الجماعة، بمعنى أنَّ هذه الوظيفة ثابتة للإمام سواء تعلّقت بما يُسمى «سلطة سياسيَّة»، أم تعلَّقت بـ «السُّلطة الدِّينيَّة». 
إلاَّ أنّهم من النّاحيَّة العمليَّة التطبيقيَّة للتعريف في الواقع، نلحظ أنَّ أصحاب القول الثاني لا يلتزمون عمليًّا بثبوت هذه الوظيفة للإمام أو الخليفة، بل هم ينزعون نحو نفي تلك اللُّزومات والشروط التي تتقوَّم وتتحقِّق من خلالها هذه الوظيفة، مثل الأعلميَّة والإحاطة بتفاصيل الرِّسالة في الخليفة. 
وعليه، فالفريق الأول نجد أنَّهم يثبتون في تعريفهم هذا النحو من الوظيفة للإمام، وكذلك يلتزمون بها على المستوى العمليّ التّطبيقيّ، وذلك من خلال التمسُّك بتلك الشروط المقوِّمة والمخولة للفرد بأن يترشَّح للتصدِّي لمثل هذه الوظيفة الحسَّاسة، بل الذي هو ثابت في التاريخ هو أنَّهم بقوا عبر التاريخ الإسلامي يرفضون الولاء والطّاعة لكلّ أولئك الحكّام والخلفاء الذين حكموا الأمَّة الإسلاميَّة منذ رحيل النَّبيّ الأكرم صلَّى الله عليه وآله وسلَّم عن عالم الدُّنيا، وذلك لعدم توفّر الشروط التي يفرضها مثل هذا المنصبن  فمن يعود لدراسة التّاريخ الإسلاميّ سوف يدرك حقيقة أنَّ أصحاب هذا القول قد ارتُكب في حقَّهم عشرات ومئات المجازر، وقُتل منهم الألوف هذا إن لم يكن الملايين من الأفراد، لا لشيء إلاَّ لتمسُّكهم بهذا المبدأ لفظيّاً وعمليّاً. 
بينما نجد الفريق الثاني، يُثْبت حسب تعاريفه التي صاغها هذه الوظيفة للإمام أو الخليفة، غير أنَّه لا يلتزم بها في التطبيق العملي المتعلَّق بالواقع، فهم في التطبيق يقتصر تصورهم على إثبات الولاية والقيادة العامَّة على شؤون الأمَّة [القيادة السياسيَّة] للإمام أو الخليفة، بدون أن يثبتوا له الولايَة والقيادة الدينيَّة التي هي في الواقع المرتكز الذي تقوم عليه القيادة السياسيَّة، خاصَّة أنَّ الإستخلاف واقعٌ ومتعلِّقٌ بالأساس بالرِّسالة، لذلك نجدهم ينحون نحو نفي أن يكون الإمام منصّباً من قِبَل المولى تعالى، وأيضاً ينفون أن يُشترط في الإمام أو الخليفة صفة الأعلميَّة عن غيره ممَّن يعاصره. 
والحقَّ في المقام أنَّه وعند تتبَّع أقوال أصحاب القول الثاني والتّأمَّل فيها، سنلحظ أنَّ سبب هذا التهافت الحاصل بين تعريف مفهوم الخلافة أو الإمامة عندهم وبين تطبيقهم له في الأفراد الّذين تصدُّوا لها في الواقع، يعود لذلك التعارض والتضارب الناشئ بالأساس من الأفراد الذين تصدُّوا لهذا المنصب عبر التاريخ الإسلامي.
وبمعنى آخر أنَّهم وعندما لاحظوا أنَّ جميع الّذين تصدُّوا لخلافة النَّبيّ الأكرم محمَّد صلَّى الله عليه وآله وسلَّم في مهامه ووظائفه من النحو الثاني، وجدوا أنَّهم لا يتحقَّق فيهم الشروط العقلائية المطلوبة التي يقتضيها هذا المنصب، بل وجدوا أنَّ بعضهم توفَّرت فيهم الشروط المتنافية والمتعارضة مع ما يقتضيه  مفهوم الإمامة والخلافة من لوازم وشروط، وهذا التضارب دفعهم لتحوير مفهوم خلافة الرَّسول صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، فنفوا شرط الأعلميَّة في الخليفة أو الإمام، وقبل كلِّ ذلك نفو ضرورة أن يكون المولى تعالى هو من يعيِّن الخليفة أو الإمام الذي سينوب ويخلُف رسوله محمَّد صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، بل بعضهم دفعهم الأمر للقول بإمامة حتى الفاجر الفاسق الظالم، ولزوم طاعته شرعاً.
ولعلّ قول ابن خلدون السابق: «وسمَّاه المتأخرون سُلطانًا حين فشا التَّعدُّد فيه، واضطَّروا بالتَّباعد وفُقدان شروط المَنصب إلى عقد البيعة لكلِّ متغلِّبٍ»، يكشف لنا جانب مما يؤيد كلامنا في خصوص أنَّ أصحاب القول الثاني كانوا في صياغاتهم لتصوّر مفهوم الإمامة والخلافة تابعين للواقع فمتى ما تغيَّر الواقع تغيَّرت صياغتهم للمفهوم، رغم أنَّ مفهوم الإمامة والخلافة بالتحديد ليس من المفاهيم التي  تقبل التغيَّر بتغيَّر واقعها الخارجيّ، وذلك لوضوح أنَّ مصداق الخليفة أو الإمام في الواقع الخارجي هو التابع  للمفهوم وما يكتنفه ويتعلَّق به من شروط، كما هو حال أي منصبٍ آخر في واقع المجتمع البشري عبر التاريخ، فكلُّ منصب له شروطه  الخاصَّة به بحيث لا يفترض بأي فرد أن يتصدَّى له إلاَّ بعد أن يتحصَّل على شروط ذاك المنصب. 

خلاصة ما تقدم:  
وخلاصة كلَّ ما تقدَّم هو أنَّ الوظيفة التي تثبت للإمام الذي سيخلف النَّبيّ الأكرم محمَّد صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، هي تلك الوظيفة من النحو الثاني الثابتة بالإجماع للنَّبيّ محمد صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، والتي يمكن أن نلخَّصها بنفس تعريف ابن خلدون للإمامة مع إضافة بعض الألفاظ والمفاهيم لتأكيد ما أجمله ابن خلدون فيي تعريفه ، فهي: «نِيَابة عن صاحب الشَّريعة في حفظ الدِّين، وسياسة الدُّنيا بما ينسجم مع الدِّين على النَّحو الذي يجعل منه القائد والمرجع لجميع أبناء الأمَّة في أمور دينهم ودُنياهم». 
وهذا المنصب في عمومه وبغض النظر عن من سيتصدَّى له، يدلَّل عليه قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا))(النساء ـ 59). 
حيث نجد المولى تعالى يخاطب المؤمنين من خلال صيغة النِّداء، التي فيها دلالة على الأهميَّة البالغة لما سيذكر بعدها، ثمَّ بعد أن يناديهم يأمرهم بطاعة الله، ويؤكّد بعد ذلك على طاعة الرَّسول الأكرم محمَّد صلَّى الله عليه وآله وسلَّم من خلال تكرار لفظة «أَطِيعُوا»، فهذا التكرار في مفردة الطَّاعة المتعلِّقة بالرَّسول فيها دلالة على الرُتبيَّة بين الطاعة المتعلِّقة بالمولى تعالى، وبين تلك المتعلِّقة بالرَّسول، بمعنى أنَّ طاعة الله مُقَدَّمة على طاعة الرَّسول، ثمَّ يدرج طاعة «أولي الأمر» ـ الذين هم مصداق ثالث مغاير عن المولى تعالى وعن الرَّسول ـ تحت نفس مفردة الطَّاعة المتعلَّقة بالرَّسول، وذلك لأجل التدليل على كون طاعة «أولي الأمر» متفرّعة ومنبثقة من نفس طاعة الرَّسول لا هي مقابلة لها أو مقابلة لطاعة المولى تعالى، وذلك لوضوح حقيقة أنَّ وظائف الإمامَّة هي في واقع الأمر امتداد واستمرار لبعض وظائف النَّبوة. 
ثمَّ بعد ذلك نجد المولى تعالى يطرح لنا سُبل حلّ النِّزاعات التي يمكن أن تحصل، فهو تعالى وبلحاظ كونه لم يذكر «أولي الأمر» في القسم الذي تعلَّق بالتنازع، رغم أنَّه ذكرهم في القسم المتعلَّق بالطَّاعة، والذي يفيد تنصيب ولي الأمر الذي من مهامه حلّ النزاعات بين أبناء الأمَّة وخاصَّة النزاعات الجماعيَّة، وفقًا لما ثبت في القرآن، وما ثبت وُرُوده عن النَّبيّ محمد صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، فبناءً على هذا اللّحاظ فتصوُّرنا للتنازع يكون على نحوين: 
النحو الأوّل من النِّزاع: أن يكون النِّزاع مباشرة بين جماعة من النّاس، ووليّ الأمر المتصدّي لولاية أمور النَّاس بعد الرَّسول. 
النحو الثاني من النِّزاع: أن يقع النِّزاع في البداية بين مجموعتين من أبناء الأمَّة، وعند الرجوع للاحتكام لوليَّ الأمر الذي جعل الله طاعته على المؤمنين واجبة ومتفرِّعة من طاعة الرَّسول كما ذكر في أوَّل الآية، رفض أحد الأطراف حكم وليُّ الأمر، ممَّا حوّل بعد ذلك النزاع ليكون بين المجموعة الرافضة للحكم وبين وليَّ الأمر نفسه.  
وعليه، ولدفع احتمال أن يختلف النَّاس في ما بينهم إلى حدِّ التنازع، ثم احتمال أن لا يخضع أحد المتنازعين لما يحكم به «أولي الأمر»، دعاهم وألزمهم المولى في هذه الحالة أن يعودوا للاحتكام إلى ما ثبت عن المولى تعالى في القرآن، وما ثبت وروده عن الرَّسول. 
وفي الحقيقة أنَّ الإمام الواقعي المتصدِّي لولايَّة أمر الأمَّة، والذي فرض الله طاعته على أبناء الأمَّة، يُفترض فيه أن يحكم بين النَّاس بما جاء من المولى تعالى ورسوله، غير أنَّ البعض قد يشكَّك في ذلك، كما حصل ذلك مع النَّبيّ محمَّد صلَّى الله عليه وآله وسلَّم عدَّة مرات، عندما كان يسأله البعض هل أنَّ حكمه المعيَّن منه أم من الله؟، ولأجل حلَّ هذا المشكل ودفع المبرِّرات لعدم الخضوع لحكم وليُّ الأمر، أكَّد المولى تعالى على ضرورة الخضوع لأحكام الله ورسوله، وذلك من خلال تقريره بأنَّ تعود النَّاس لله ورسوله في النِّزاعات المفترضة، وبعد هذا التقرير منه تعالى، يكون تكليف وليُّ الأمر اتجاه من يرفض حكمه، هو التذكير بأنَّ حكمه راجع ومبنيّ على ما ثبت من الله ورسوله، وهذا ما فعله الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام مع الخوارج ومع الذين خرجوا لحربه. 
وفي الختام يشير المولى تعالى في آخر الآية إلى أنَّ الالتزام بما ورد في صدر الآية فيه الخير والمصلحة لواقع النَّاس، فيقول ((ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا))، بل هو أكثر الوجوه انسجامًا لمعلاجة مَا آلَ له واقع النَّاس بعد تحقُّق النِّزاع. 
ولضيق المقام نكتفي هنا بهذه الآية، وإلاَّ فهناك آيات أخرى يمكن الإستفادة منها تشريع هذا المنصب، هذا بغض النظر عن النُّصوص الروائيَّة التي وصلت لنا من كتب جميع الفرق الإسلاميَّة، والتي هي صريحة في تشريع هذا المنصب، بل وتحديد المتصدِّي المفترض بعد رحيل الرَّسول الأكرم محمَّد صلَّى الله عليه وآله وسلَّم.
وبالعودة لأصل المطلب نقول، أنَّ هذا النحو من الوظيفة المنحلَّة إلى: «القيادة السياسيَّة على عموم الأمَّة بما ينسجم ويتوافق مع ما تفرضه وتقتضيه الرِّسالة المحمَّديَّة» وكذلك الى «المرجعيَّة الدينيَّة علد جميع المسلمين»، هذه الوظيفة تتطلَّب عقلاً وكذلك شرعاً كما هو ثابت بالنُّصوص، أن تتوفّر في الشّخص المتصدِّي لهذا المنصب جملة من الشروط اللاَّزمة، من أهمّها وأبرزها: الأعلميَّة والإحاطة بمفردات وجزئيّات وتفاصيل الرَّسالة التي سيحكم ويقود الأمَّة من خلالها، وكذلك أن يكون أتقَى وأعدَل أهل عصره لكي لا تبطل غايات الرِّسالة على مستوى الواقع العملي للأمَّة، والتي هو مكلَّفٌ بحفظها وصونها ورعايتها، وذلك لوضوح أنّ عدم التزام القائد القدوة بجزئيّات ما يدعوا النَّاس إلى الاحتكام إليه، هو من أهم العناصر الدافعة للنَّاس نحو عدم الالتزام بما تقتضيه الرِّسالة، وهذا بعينه معنى وحقيقة إبطال غايات الرِّسالة في الواقع العمليّ للأمَّة. 

حبيب مقدم 

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م